أحمق من هبنّقة

الأحد 2014/04/27

عندما نتكلم عن القصص الناجحة في بعض المؤسسات فإننا في الحقيقة نتكلم عن القادة الناجحين الذين يمثلون هذه المؤسسات. وفي المقابل هناك الكثير من القصص الفاشلة لمؤسسات سببها القيادة الفاشلة. الكثير قيل عن القيادات الناجحة ولكن القليل الذي يذكر عن القيادات الفاشلة، إما لأنها غير مشرّفة أو لأنها لا تستحق الذكر. القيادة الفاشلة تكمن في وجود الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب وخاصة في المؤسسات التي لا تكون فيها محاسبة للممارسات القيادية الفاشلة. فالقائد الفاشل يجر المؤسسة إلى مرحلة يصعب فيها أن ترجع إلى حالها الصحيح.

عدم وجود المحاسبة مصيبة المؤسسات الحكومية والاتحادية في الدول، فعلى سبيل المثال لا الحصر، مسؤول إداري قضّى في منصبة فترة غير قصيرة، قام خلالها بما لم يقم به عشرة من الإداريين الفاشلين. فمن أكثر أعماله سوءاً أنه أخرج المؤسسة التي يعمل فيها من النور إلى الظلُمات. ومن ممارساته الفاشلة أن كان يعامل موظفيه المتفوقين والأكفاء وكأنهم يعملون في مخيم عمال لا في مؤسسة محترمة. وفلسفته في العمل هي اقتناص الأخطاء الفردية والصيد في الماء العكر لا النهوض بالمؤسسة، وهذا من وجهة نظره هو فن الإدارة والقيادة. كما كان يعتبر نفسه أينشتاين في المعرفة وأنه هو الوحيد الذي يعرف وغيره لا يعرف. وهو الوحيد الذي كان يمثل المؤسسة في جميع المجالات بدءاً من الشؤون الإدارية إلى الإشراف على المباني. كما أنه كان من أصحاب سياسة الباب المغلق لأنه إذا قابل من هو أكفأ منه كشف عن ضعفه وتخلفه، وكلما جاء أحدهم بأفكار مبدعة وجديدة يحاول أن يقمعها حتى لا يكون له منافس في الساحة. حتى جاء الخبر الذي أسعد الجميع من موظفين وعملاء وهو خبر تجميد صلاحياته وإقالته من منصبه إلى منصب يعطى للشخص عندما يُقصد التخلص منه، وتهاني الموظفين في المؤسسة لا أول لها ولا آخر من السعادة.

لكن الكارثة كانت بعد فترة غير قصيرة عندما يُنقل هذا الفاشل من مؤسسته إلى مؤسسة أخرى أكثر حساسية في مكان يشرف فيه على عاملين في أيديهم حياة أناس آخرين ومنشئات مرخصة من قبل تلك المؤسسة. ويتكرر فشل هذا الإداري ولكن هذه المرة بطريقة مغايرة. فبسبب عدم إلمامه بطبيعة عمل المؤسسة الجديدة فهو يعتمد على أشخاص قدامى فيها يستمرون في التخريب وعندما يتقدم إليه من يشتكي من تعسفات المدراء القدامى يرفض الاستماع لأنه يفتقد إلى حس المسؤولية والخبرة وجل اهتمامه هو ما يقدمه له المدراء من حقائق مزيفة وعلى أساسه تكون ردوده وقرارته. ومن يعرف ظروف هذا الفاشل في مؤسسته يعذره فهو لديه ما يكفيه من مشاكل زوجاته الثلاث، اثنتان قبل المنصب والثالثة تزوجها بعد المنصب الجديد. رجل تحكمه غرائزه الجنسية يبحث عن ملذاته حتى في مجال عمله، فمن لا يجيد إدارة حياته الخاصة وغرائزه كيف له أن يُدير مسؤوليات مؤسسة مهنية. هذا مجرد مثال واحد من مئات المسؤولين ممن يخلطون بين القيادة والتخريب.

متى يتعلم هذا الشخص وغيره من أمثاله أن المناصب هي تكليف لا تشريف وهي وظائف مثلها مثل غيرها تؤدى بأمانة؟ وأن الشخص عندما يترك المنصب يترك السمعة الطيبة ولا يترك وراءه بشرا يدعون عليه ويهنئون بعضهم البعض لحصولهم على حريتهم؟ سياسة الإبادة النفسية الجماعية أصبحت سمعة العديد من المؤسسات في المجتمع بسبب وجود أمثال هؤلاء المسؤولين الفاشلين الذين من الأجدى لهم أن يستقيلوا قبل أن يقالوا من مناصبهم إلى مناصب المخبولين.

روي عن الأحنف بن قيس أنه قال: قال الخليل بن أحمد: الناس أربعة رجل يدري، ويدري أنه يدري فذاك عالم فخذوا عنه، ورجل يدري وهو لا يدري أنه يدري فذاك ناسٍ فذكروه، ورجل لا يدري وهو يدري أنه لا يدري فذاك طالب فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك أحمق فارفضوه.

المسؤول الفاشل هو الأحمق الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ومن الواجب ضرب المثل به حتى يستفيد غيره من المسؤولين المبتدئين مثلما تضرب العرب المثل بمن قد عرف بحمقه بقولهم “أحمق من هبنّقة”.

5