"أحوال شخصية".. عندما ينقذ الغناء العرض المسرحي

عرض "أحوال شخصية" المسرحي يطرح مشكلات بسيطة لا ترتقي لعمق الاضطهاد الذكوري للمرأة العربية.
الجمعة 2018/03/30
حالات وحكايات

القاهرة - بداية مبهرة افتتح بها مؤلف عرض “أحوال شخصية” مسرحيته من خلال أكوان زجاجية (صناديق) وقفت بها بطلات شخصياته النسائية الأربع، ثلاث منهنّ تصدّرن خشبة المسرح بإضاءة حمراء ترتكز على وجوههنّ، والرابعة تصعد بعد بداية العرض بقليل.

وعلى الجانب الأيمن أسفل المسرح تجلس مطربة العرض في كُون زجاجي أيضا حاملة آلتها الموسيقية “قيثارة” تغني بصوتها العذب، لتضع الجمهور في جذب أكبر للعرض.

ديباجة مشجعة

الديباجة التي افتتح بها المؤلف ميسرة صلاح الدين عرضه مهّدت المشاهد للفكرة التي يتحدّث عنها، باعتبار أن حكايات بطلاته تجعلهنّ دائما حبيسات هذه “الأكوان الزجاجية” وكأنهنّ تماثيل أو “ماليكانات” في متجر ملابس.

 

كانت الموسيقى المميزة للعرض المسرحي المصري “أحوال شخصية” كطوق النجاة الأعظم، الذي استطاع منه المخرج الهروب من وطأة نقد القصة والسيناريو الباهت والفاقد لأي ترابط حقيقي بين البطلات الأربع للمسرحية، التي تتحدث عن قهر المرأة في المجتمعات العربية.

وخدم الديكور المميز الذي صمّمه المهندس أحمد سلمان الفكرة تماما، ففي أعلى سقف المسرح وضعت شماعات معلقة متناثرة، وعلى جوانب خشبة العرض وجدت بعض الفساتين معلقة على “ماليكانات بلاستيكية”، أما أسفل المسرح من الجانب الأيسر، علّق فستان على شمّاعة، كل ذلك لتقديم حالة تفاعلية مع الجمهور.

وتبدأ أحداث العرض بحركة الشخصيات الثلاث على المسرح بعد حركة ثابتة داخل هذه “الأكوان” لتخرج كل منهنّ، وتبدأ في السير على المسرح، وهنا يؤخذ على حركة الممثلات السرعة التي انتقلن بها في السير على خشبة المسرح من تماثيل ثابتة إلى أشخاص عاديين.

ورغم بدايتها البطيئة فور النزول من “الأكوان”، إلاّ أنها جاءت شديدة السرعة بعد ذلك، وبالمثل في حركة اليدين لكل منهنّ والتي بدت وكأنها معلّقة بخيوط من أعلى.

القصص المتناولة في العرض لأربع سيدات، كانت اثنتان منهنّ من القاهرة، والثالثة من محافظة الغربية (شمال القاهرة)، أما الرابعة فهي من المنيا (جنوب مصر)، وحتى نهاية العرض الذي استمر لمدة ساعة لم نجد تفسيرا للربط الذي قدّمه المؤلف في اختياره لبطلاته بين نموذجين من القاهرة ومحافظتين أخريين، ربما يكون ذلك في محاولة منه لإثبات فكرته بكون المرأة مقهورة هنا وهناك.

ومع أن “قهر المرأة” العنوان الأبرز لعرض “أحوال شخصية”، غير أن القصص التي صاغ منها المؤلف حكايته لم تكن على نفس القدر المطلوب من المضمون، أو أن قصص فتيات القاهرة تسير بالتوازي مع القهر الذي تعرضت له فتيات المحافظات.

النموذجان اللذان رصدهما العرض من القاهرة، سيدة متزوجة ولديها طفلان ظلت تعاني من قهر تحقيق حلمها بالعمل في مجال المحاماة برغم موافقتها قبل الزواج على عدم العمل، لكن مع ضغوط الحياة الاقتصادية بعد سنوات استجاب لرغبتها.

وتروي هنا بطلة القصة التي قدمتها الفنانة عبير الطوخي، انفصالها عن زوجها وحصوله على حق تربية أبنائها جاء بسبب معرفته أنها كانت تخفي عليه ادخارها بعض النقود دون علمه، وعندما عرف بذلك قرّر الانفصال عنها.

هذه الصياغة التي روى منها مؤلف العرض حكاية بطلته لم تكن مقنعة أو منطقية، وربما تحدث أزمة بين الزوجين، لكنها لا تفصح عن قهر جلل، لأن الرواية على لسانها لم تعبّر عن قهر حقيقي أو مشكلة تمسّ قلوب المشاهدين.

تقديم فكرة "قهر المرأة" المصرية والعربية عموما، دون حبكة درامية أثّر على وصول الرسالة بصورة جيدة إلى الجمهور

المبهر في هذا النموذج المسرحي الأداء التمثيلي الذي قدّمته بطلته بما تحمله من لحظات كوميدية وحزن وأوجاع بداخلها، كل ذلك محمّل بتلقائية وبساطة من فنانة لا تحمل تكلّفا أو استعراضا في أدائها التمثيلي.

أما حكاية فتاة القاهرة الأخرى، التي قدّمت دورها الفنانة لمياء جعفر، كانت الأقل في الأداء التمثيلي للشخصيات الأربع، فالثقة التي يحملها الممثل في ذاته مسألة مهمة، خصوصا عندما يقف على خشبة مسرح، لكن عندما تصل إلى منطقة “الغرور” يبدو أن هناك مشكلة، وهو ما انعكس بشكل ملحوظ على أداء الممثلة، مع إشارة إلى أن الشخصية الأرستقراطية التي كانت تقدّمها بالفعل تحتاج إلى ذلك، وبشكل لا يحمل تكلفا واضحا.

إهانة مضاعفة

الحكاية التي قدّمتها ندى عفيفي، تحمل ترهلا في صياغتها، فهي تحمل خطين دراميين معا؛ الأول قهر السيدة نفسها لأمها، والثاني قهر زوجها لها، وتظهر عفيفي كشخصية متمرّدة طوال الوقت على حياتها الأسرية المتوسطة اجتماعيا، وعندما أتيحت لها فرصة الزواج من رجل ثري، تمرّدت على والدتها وعاملتها بإهانة، وفي الوقت ذاته يعامل الزوج الثري زوجته بتعال واشمئزاز.

وهنا خلط المؤلف في عرضه لفكرة القهر، وبدا أن هناك تساؤلا يجوب أذهان المشاهدين، هل يتحدّث عن قهر الرجل للمرأة أم قهر المرأة للمرأة؟

وإذا كان الأخير، فوجود الممثلة داخل هذا “الكون الزجاجي” كأنها حبيسة القهر غير منطقية، لأنها هنا هي الفاعل وليس المفعول بها.

ويتوازى مع هذا النموذج الشخصية التي أدّت دورها الممثلة راماج، الطفلة التي هرب والدها بعد أن نهب أموالها هي وأشقاؤها وفوجئت بعد ذلك بتزويجها في عمر الثالثة عشر من رجل كهل، وصفته بأنه كان في سن والدها، قامت بقتله في ليلة الزفاف بعد محاولته الاقتراب منها في شكل أشبه بالاغتصاب.

ما يحسب لـ"مسرح الشباب" المنتج للعرض، تقديمه لمؤلف ومخرج جديد، هو أشرف حسني، فضلا عن ممثلين شباب

وبعيدا عن عدم ترابط هذا النموذج الأنثوي، فبطلته أجادت تقديم دورها رغم أنه يعتبر الظهور الأول لها على خشبة المسرح، كما تغنت في إحدى مشاهد العرض بحزن وشجن نجحت من خلالهما في الفوز بثناء الجمهور.

ومشهد خروج البطلات أو “الماليكانات” الأربع من الأكوان الزجاجية إلى حين دخولهم مرة أخرى في نهاية العرض، بعد أن روت كل منهنّ حكايتها، لم نجد فيه رابطا
فكريا، ففي البداية تبحث الشخصيات عن فرصة للهروب من صاحب المتجر الذي وصفنه بأنه يقهرهنّ بسبب تحكّمه بين لحظة وأخرى بالخلع والارتداء، لكن في النهاية تعود الفتيات الأربع إلى أماكنهنّ باستسلام غير مبرّر.

ويتمثل الحدث الأعظم في عرض “أحوال شخصية” في موسيقى وغناء بسمة البنداري اللذين صاحبا مشاهد العرض، وفي أدائها بصوتها الرقيق الناعم وشديد الأنوثة، والذي يعبّر عن لحظات الفرح والحزن، والأكثر تميزا في أن المطربة هي طبيبة بالأساس تتّخذ من الغناء هواية، لكنها تنسجم مع الألحان التي جعلتها توصل إحساسها ومشاعرها بسلاسة إلى الجمهور المستمع.

ويحسب لـ”مسرح الشباب” المنتج للعرض، بقيادة المخرج الباحث عن المواهب دائما عادل حسان، تقديمه لمؤلف ومخرج جديد وهو أشرف حسني، فضلا عن ممثلين شباب، باستثناء الفنانة عبير الطوخي صاحبة الباع الواسع في العمل المسرحي.

15