أخاديع واشنطن وحال الفلسطينيين

الإدارة الأميركية لا تزال مصممة على إبعاد الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي عن دائرة التأثير في مجرى أي محاولة للتوصل إلى تسوية.
الأربعاء 2019/08/14
لا ثقة في إدارة أميركية منحازة لإسرائيل

 لم يتردّد غيبسون غرينبلات، المبعوث الأميركي الخاص للمفاوضات الدولية، في الإعراب عن تقبّل واشنطن لاستمرار حكم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي يراه زعيما للفلسطينيين، الذي لا تزال واشنطن، تأمل منه “القدوم إلى طاولة المفاوضات و”لا تسعى إلى استبداله”!

جاء ذلك في حديث أدلى به غرينبلات، إلى شبكة “بلومبيرغ” الإخبارية الأميركية فجر الثلاثاء. وقد اتسم مجمل حديث هذا المستشار الأميركي المتحدر من أسرة يهودية مجرية متطرّفة، هاجرت إلى نيويورك؛ بالخديعة والإدعاء، إذ ليست هناك مفاوضات لكي يلتحق بها الرئيس عباس. وغرينبلات نفسه يقول إن رئيسه دونالد ترامب، لم يقرّر بعد أن كان سيعلن عن الشقّ السياسي “قبل أو بعد الانتخابات الإسرائيليّة” أو بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، أي إن فكرة التفاوض التي يأمل المتحدث من عباس الدخول فيها، لا يُعرف موضوعها أصلا، كما ليس من حق هذا المستشار الأميركي، أن يلمح إلى أن الولايات المتحدة، تمتلك صلاحية استبدال عباس، لكي تأنس إدارة ترامب في نفسها الأهلية لتطمينه بأنها لا تريد إزاحته.

كان واضحا عنصر الركاكة السياسية في تصريح غرينبلات. والغريب في ما أدلى به المبعوث الأميركي إلى المفاوضات الدولية أينما كانت وحول أي قضية تدور، أنه حاول التذاكي قائلاً “إن هذا الصراع (ويقصد النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، حسب التعبير المتداول في السنوات الأخيرة، لوضع الفلسطينيين وحدهم، دون العرب، أمام إسرائيل) سيُحلّ فقط عبر مفاوضات مباشرة بين الأطراف” وأن “ليس للولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة الطلب كيف سيحلّ هذا الصراع”.

هنا، يتجاهل غرينبلات أن واشنطن، التي “قررت” الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقلت سفارتها إليها، واعترفت بضم هضبة الجولان السورية المحتلة، وحثت على الاستمرار في الضمّ والاستيطان، قد تدخلت سلفا بقرارات أحادية من جانب واحد، أي إنها أعطت نفسها حقاً لا تملكه، في أن تحدد كيفية حل “هذا الصراع”. بل إن أحد مراسلي قنوات التلفزيون الإسرائيلية في واشنطن، نقل عن مصادر أميركية، بأن هناك “مفاوضات داخلية” في البيت الأبيض، يتعلق بآليات وشكل وتوقيت عرض الشق السياسي للخطة الأميركية المسماة “صفقة القرن” أي أن الأميركيين يجهزون الصيغة الأخيرة لإملاءاتهم.

لقد بدا واضحاً، من خلال تصريح الناطق باسم الولايات المتحدة بخصوص موضوع الشرق الأوسط، أن الإدارة الأميركية الراهنة، التي اتخذت خطوات عملية في سياق تحديد كيفية حل النزاع؛ لا تزال مصممة على إبعاد الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عن دائرة التأثير في مجري أي محاولة للتوصل إلى تسوية. وما الإشارة إلى نفسها، كونها من ضمن الأطراف التي “لا تملك الطلب كيف سيُحل هذا الصراع” هو محض كلام بلا معنى، يراد به التضليل.

تصريحات المبعوث الأميركي إلى المفاوضات الدولية تؤخذ باعتبارها نوعا من الثرثرة الفارغة التي بلا معنى.
تصريحات المبعوث الأميركي إلى المفاوضات الدولية تؤخذ باعتبارها نوعا من الثرثرة الفارغة التي بلا معنى

لكن المفارقة في حديث غرينبلات، تكمن في رسوخ قناعة الجانب الأميركي بــ”زعامة” عباس، على الرغم من موقفه الهجائي المعلن من السياسة الأميركية. ففي هذا الرسوخ ترتسم المفارقة وليست الغرابة، إذ لدى الأميركيين من الحقائق على المستوى العملي، ما يجعل عباس مناسباً وليس مزعجاً مهما أفاض في ذم الأميركيين. فالرجل، من خلال سلطته الأمنية، لا يدخر جهدا في العمل على منع أي ردود أفعال عنفية فلسطينية في الضفة، ضد الممارسات العنفية الإسرائيلية، التي يباشرها الجيش والمستوطنون على مدار الساعة وارتفعت وتيرتها في الأيام الأخيرة، داخل مستطيل المسجد الأقصى،
حيث باتت المواجهة ضارية بين الفلسطينيين والمستوطنين الذين يساندهم الجيش.

عباس وحماس، في هذه الظروف الفلسطينية يتشددان في موضوع المصالحة الفلسطينية، ويحرص كل طرف على وضع الطرف الآخر، في الموقف الذي يدفعه إلى تلبية شروط بقاء سلطته، وهي كلها شروط منزوعة الدسم السياسي، على أن يكون لها الهامش الذي يلائمها في الحديث عن عدو تقاومه أو لا تقاومه.

وعباس من جهته، فعل كل ما يستطيع، لكي تستمر حركة فتح في هزالها، ولكي تزداد الهوة بينها وبين شعبها، وبالتالي فإنه سيظل في نظر الأميركيين “زعيما” للفلسطينيين، لا ينبغي استبداله أو المساس بدوره، وهذا أمر طبيعي بالنسبة للسياسة الأميركية. ولعل ما يزيد تمسك واشنطن بعباس، أن تكتيكات أدائه، من شأنها أن تمنح الأميركيين أوقاتاً مستقطعة، تساعدها على تدبير صيغة الصفقة برويّة، متذرعة بالظروف غير الملائمة، لذا فإن رئيس السلطة الفلسطينية، لم يجد غضاضة ولا حرجاً، في الإعلان عن “وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل” وكان ذلك في صيغة مذيلة بقرار تشكيل لجنة لبحث الآليات وكيفية تنفيذ ما يقرره، أي أن الرجل يقرّر كيف أن يعرف كيفية التنفيذ، ويزعم أنه سيعرف من خلال لجنة يرأسها هو نفسه، دون أن يحدد لها سقفاً زمنياً أو يقسّم تنفيذ التوجه إلى الهدف، عبر مراحل. وقد كان شأنه في ذلك، كشأن اتفاقات أوسلو التي قلبت الأولويات، فجعلت التنفيذ بالجملة لاتفاق إعلان مبادئ، وأبقت الحل نفسه غامضاً ومحكوماً منذ بدايته، بمنطق التقسيط، لتنتهي الأمور إلى ما انتهت اليه، فيجاهر اليمين الإسرائيلي الديني المتطرف، بانقلابه التام على العملية السلمية!

هنا، تؤخذ تصريحات المبعوث الأميركي إلى المفاوضات الدولية، باعتبارها نوعا من الثرثرة الفارغة التي بلا معنى. فليس لدى واشنطن حتى الآن، أي موضوع يجدر التفاوض حوله، وليس لدى عباس القدرة على القفز في الهواء، ولا القفز إلى موقع تفاوضي مقنع، ما خلا قفزات الكلام التي لا تنطلي على أحد من الفلسطينيين، ولم يعد للإدارة الأميركية الحد الأدنى من الجدارة في رعاية مفاوضات تسوية، وفي سياق هذا كله، يظل عباس “زعيما” طالما أن حال الفلسطينيين على ما هو عليه.

13