أخاف أن تحرقني كلماتكم

السبت 2016/10/29

“في الوش مراية وفي القفا سلاّية” أو كما يعرف هذا المثل الشعبي القديم في المغرب العربي بـ“في الوجه مراية وفي القفا فلاّية”، وهناك من يستعمل لفظ "حرباية" بدل فلاّية وسلاّية وإن تباينت المعاني فالمغزى واحد.

السلاّية تعني الشوكة، والفلاّية مشط ضيق فرج الأسنان يفلّى به الشعر بحثا عن القمل وتنقيته منه، أما الحرباء فهي من الزواحف وتعرف بأنها تأخذ لون الأشياء التي تحط عليها لذلك يضرب بها المثل لمن لا يثبت على حال.

والمراد من المثل أن البعض يظهر في حضور الأشخاص ما لا يبطن يمدحهم في وجودهم ويقدحهم في غيابهم.

يبدو أن الأمثال الشعبية القديمة لم تنحسر مع الزمن بل تزداد مع الوقت توثيقا، وكأني بهذا المثل قد اكتسب شرعية أكبر في المجتمعات الحديثة.

وبالطبع لا يمكن التعميم ولكن لنقل أننا في زحمة الحياة اتخذنا مما يسمى النفاق الاجتماعي قناعا في بعض المعاملات انتقلت عدوتها إلى العالم الافتراضي.

فكم من ناشط على فيسبوك مثلا يضع لايك مرفقة بتعليق يعبر عن إعجابه بصورة أحد أصدقائه أو معارفه، أصابعه تكبس على الأزرار وفمه يلوك صاحب الصورة بما يسيء إليه أمام الآخرين، وأحيانا يحدث نفسه بصوت مسموع بذلك.

وقد أسرف السلف في نقد هذه الظاهرة التي أصبحت اليوم من العوائد التي ننبذها ونقع خطأ أو تغضيا فيها. حتى أننا بتنا نخاف بمجرد مغادرتنا المكان الذي كنا فيه صحبة بعض الرفاق من أن تحرقنا الكلمات التي تقال في قفانا.

وقد نُقل عن منصور بن إسماعيل وهو شاعر وفقيه شافعي عاش في عهد الخليفة العباسي المعتز، وعرف بالهجاء، قوله: “كل من أصبح في دهرك ممن قد تراه.. هو من خلفك مقراض وفي الوجه مرآة”.

والمقراض المقص وهو ما يحمل ذات دلالة المثل الشعبي، مما يعني أننا جيل بعد جيل نحاول معالجة هذه الظاهرة فنَنقُدها وننقَد إليها أكثر بدعوى المحافظة على العلاقات الاجتماعية أو المصالح المشتركة.

لم أكن في حاجة لفتح معاجم أو الرجوع إلى نفائس الكتب القديمة لأبحث عن معاني المثل بل اكتفيت بإلقاء نظرة على تويتر وفيسبوك فوجدت تغريدات وتعاليق لا حصر لها تعي المثل وتحفظه عن ظهر قلب بكل مفرداته ومعانيه. وسأكتفي من الواقع بالصمت أو لن أضيف على عبارات جبران خليل جبران: كتبت على باب منزلي دع نفاقك خارجا وادخل فلم يزرني أحد.

قد يراجع كل منا ذاته كلما سنحت له الفرصة في صحوة مباغتة لضميره، لماذا أقدح في فلان أما كان يجدر بي إبداء رأي فيه صراحة وفي حضوره؟ وكما يقول المثل التونسي “حمرة في الوجه ولا غصة في القلب”. ولو أمعنا في الواقع لوجدنا أننا نبعث الروح في الأمثال الشعبية دون وعي.

24