أخبار الوطن

الأربعاء 2015/08/05

ليست كل الأخبار سيئة.. فلا تبرروا ابتعادكم واستقراركم في منفى آمن وبلاد أكثر تحضرا بأن تروّجوا لكل ما هو محبط ومؤلم ومميت من أخبار الوطن.. لا تحاولوا أن ترضوا ضمائركم بالترويج لكل ما هو سيء ومريع.. فثمة دائما نصف ممتلئ من كأس الوطن.. أقولها لمن ترك الأرض مختارا أو أجبره الظرف أو هجّرته النكبات.. وأقولها لمن ضربت مصالحه في التغيير فصار كل حدث سيء فرصة ثمينة للتشفي بالأهل والبكاء على أطلال الماضي.. وأقولها لمن يحرص أن يدير الزيت على النار سواء بقصد أو بغير قصد فقط ليقول: لا فائدة.. لقد مات البلد رحمه الله!..

لكن العراق لا يموت..

أعلم تماما أن عبارات ومفردات مهلكة صارت صنوا لاسم العراق.. فثمة: يأس.. موت.. دمار.. مفخخات.. انعدام للأمن.. حر قاتل.. انعدام للخدمات.. فساد إداري وقيمي وسياسي.. مدن يحتلها شذاذ الآفاق.. طائفية.. مناطقية.. لصوص.. خونة.. متآمرون.. وأيضا.. أرامل وأيتام ونازحون ومهجّرون ولاجئون..

ولكن ثمة أيضا: أمل.. شباب واعٍ.. شعب مصرّ على الحياة.. نقد بنّاء لوضع مغلوط.. حرية تعبير.. إبداع.. ابتكار.. علماء.. مفكرون.. كتـّاب.. تجمعات ثقافية.. مؤتمرات علمية.. مستشفيات.. مدارس.. جامعات.. أسواق عامرة.. طرق معبدة جديدة.. مطاعم وفنادق سياحية جديدة.. نواد ونشاطات اجتماعية.. منظمات مجتمع مدني.. حملات لغوث اللاجئين.. ثمة وطنيون شرفاء وهم لم يكونوا يوما ندرة.. وثمة معتدلون مخلصون وهم ليسوا بقلة أبدا..

وأيضا: ثمة شعب توحّده مظاهرة تهتف: نعم للحياة.. نعم للعراق.. لا للفاسدين.. فالعراق ليس عراق السياسيين الفاسدين فقط.. وليس عراق الطائفيين فقط.. وإلا هل بإمكان أحد أي أحد أن يرى صور من خرج في مظاهرة الجمعة الماضية من مثقفين وفنانين وناشطين ومواطنين بسطاء وكسبة وعمال وموظفين.. وأن يميز بينهم من كان سنيا أو شيعيا أو تركمانيا أو كرديا أو مسيحيا أو مسلما أو صابئيا؟ هل كان يمكن فرز من هو بغدادي عمن هو موصلي أو بصري أو نجفي أو فلوجي.. أو..؟

هل كان يمكن حين فاز منتخبنا الوطني لكرة القدم وخرجت الجماهير تحتفل في الشوارع أن نقسّم المحتفلين بحسب قوميتهم وعرقهم وانتمائهم الديني والطائفي والسياسي؟.. وهل، حين رفعوا حضر التجوال وازدهر ليل بغداد بالأضواء والبهجة، هل كان يمكن ألا تذوب المكونات ببعضها؟ وألا يحتضن البغداديون بغدادهم المتعبة وهي تنهض من إرث حروبها وتنفض عن روحها ما تراكم من شظايا وغبار وألم؟

هل لنا أن ننسى حادثة جسر الأئمة وهي واحدة من آلاف الحوادث.. حين ضحى عثمان بحياته لينقذ حياة سجاد وحيدر؟.. فعلى الأرض وفي الملمات يظهر معدن العراقيّ الأصيل.. ويتقهقر أمراء الحرب والمنتفعون من الإرهاب والفساد والفتنة والتفرقة..

إنه العراق يا سادتي.. العراق الذي نعرف.. عراق الخير الذي كبرنا وتربينا في كنفه وشربنا من ماء دجلته وفراته.. عراق لا يفنى مهما مرت به من صعاب وأهوال.. عراق غني بخيرات أرضه وطيبة أهله وأصالتهم..

أكتب هذه الحروف وأنا أعلم جدا أن ثمة الملايين أيضا ممن يقشعر بدنهم وتسيل دموع فرحهم عند أول خبر مفرح من أخبار الوطن.. أملا واستبشارا بعراق أجمل.. عراق من أمان ومحبة وتحضّر ورخاء.. عراق ترفرف في سمائه أبهى حمائم السلام..

21