أخبار متكررة وقصة واحدة

لا شك أن الأحداث الكبرى التي نعيشها والتي تمس الرأي العام هي الأكثر عرضة لأن تكون موضوعات لقصص متناقضة أو متعارضة أو متشابهة.
الثلاثاء 2018/11/20
قصة بعدة أوجه

ربما لم يمر في تاريخ الصحافة عهد يكون للقصة الصحافية الواحدة هذا العدد الهائل من الرواة كما نعيشه اليوم.

بإمكان القصة الصحافية الواحدة أن تجري إعادتها ثم إعادة صياغتها ثم إعادة تحريرها ثم إدماجها بقصة أخرى ثم اختصارها ثم مطّها أو إطالتها، هكذا وعليك أيها المستهلك اليومي للأخبار أن تتقبل ذلك بكل ترحاب.

طواقم المحررين (على الديسك) وغرف الأخبار في الصحف ووكالات الأنباء ومواقع الإنترنت وخلف شاشات الفضائيات، كلهم جميعا ينحتون في القصة نفسها وكلّ يشكّلها ويعيد إنتاجها ونسجها على هواه ليتم بثها لذلك المتلقي الصامت.

هي ظاهرة استثنائية أن تحتشد كل تلك الوسائط الاتصالية والإعلامية فضلا عن منصات التواصل الاجتماعي من حول قصة واحدة. والخبر العاجل (أو بريكنك) مما صار علامة فارقة في حياتنا اليومية هو الذي منه تولد تلك الرحلة المضنية للقصة الصحافية اليوم، من تلك الشرارة الصغيرة التي تختتم بمقولة (ولم يتيسر الحصول على تفاصيل أخرى) أو (سنوافيكم بمزيد من التفاصيل حال ورودها).

هذا المشهد الدراماتيكي لم يكن يكافؤه إلا مشهد شاحب في الماضي القريب عندما كانت لكل بلد وكالة أنبائه الوحيدة واليتيمة والتي تقدم قصة واحدة مكتملة أو شبه مكتملة ومن دون أن يكون لها رواة متعددون.

ومن جانب آخر، نحن نشأنا على مقولة (وفي رواية أخرى)، تلك التي يقدمها لنا التراث العربي حتى تبلبلت الملة من كثرة الرواة والروايات للقصة الواحدة.

وها نحن اليوم نعيش زمن ما لا يحصى من الرواة والروايات حتى ضاع أصل القصة وانطمست معالمها أمام هذه الحشود من الرواة الذين كل منهم يرتدي زي الوسيلة أو القناة الإعلامية التي يعمل فيها ويحمل شارتها.

يذكر الباحث المخضرم سكوت رينزبيركر وهو الحائز على العديد من الجوائز الصحافية العالمية، أن القصة الصحافية وروايتها كانت وسوف تبقى هي روح العمل الصحافي مهما تعددت الوسائط وتطورت وتنوعت أدوات نقل الأخبار والتكنولوجيا الحديثة، وستبقى مهارة الصحافي الأساسية في إنتاج القصة الصحافية الناجحة والمتميزة.

ويختصر رينزبيركر قوة القصة الصحافية بأنها إما سوف تحرك العقل أو تمس القلب أو تضرب محفظة النقود. ويضيف: لسنا بحاجة إلى تكنولوجيا عظيمة لكي ننتج قصة صحافية عظيمة، تلك هي الخلاصة التي يخرج بها بعد رحلات صحافية طاف خلالها أنحاء العالم.

في المقابل، لا شك أن الأحداث الكبرى التي نعيشها والتي تمس الرأي العام هي الأكثر عرضة لأن تكون موضوعات لقصص متناقضة أو متعارضة أو متشابهة، أحداث يتم من خلالها إنتاج قصص صحافية بحسب وجهات نظر مختلفة تتناسب مع توجهات صانع القصة ومنتجها وكيف سوف ينقل للمتلقي الخلاصة التي يريد من خلالها التأثير فيه.

مستوى ومدى المصداقية والمهنية وما إلى ذلك بدأت تزحف عليها الروايات المختلفة ووجهات النظر المختلفة والرواة المختلفون وبهذا تشظت القصة وانقسمت إلى قصص متعددة.

في المقابل أتاحت منصات التواصل الاجتماعي خاصة تلك التي تعتمد (البرقيات) السريعة كتويتر الفرصة لغرض قصقصة المادة أو الخبر أو القصة الصحافية وبما لا يتيح للمتلقي التعرف على حيثيات القصة وخلفياتها وأبعادها المختلفة كما أتاحت هذه التقنية بث الأخبار المشوهة والمفبركة وفي الوقت نفسه تطوير تلك القصص البرقية المكثفة إلى اعتمادها مصدرا إخباريا خاصة من خلال تصريحات ومواقف السياسيين.

زمن مختلف ورواة عديدون وحتى خوارزميات وأنظمة رقمية قادرة هي الأخرى على نسج القصص حتى تتراكم في كل ساعة وأحيانا في كل بضع دقائق، روايات متعددة ورواة مختلفون يتزاحمون على المتلقي ومع كل تلك الكثرة والضجيج نكتشف أن القصة تبقى واحدة فيما ناسجوها ومنتجوها ومروجوها وصانعوها كثر ومن أماكن وفي وسائط متعددة ولأهداف شتى.

18