أخشى أن تتغيري

الاثنين 2016/03/28
أخشى أن تتغيري

في أمسية عائلية قليلة الحدوث في موسم الدراسة، كنت أشاهد مع أسرتي الفيلم الأميركي (the vow) أو العهد للمخرج مايكل سوكزي، والممثلة الشابة رايتشل مكادامز، والممثل تشانينغ تيتوم، المنقول عن كتاب ألفه كيم وكريكيت كاربنتر “الزوجين”، عن قصة حقيقية لزوجة شابة تعرضت لحادث سيارة مؤلم فقدت على إثره ذاكرتها القريبة لتعود بالزمن إلى خمس سنوات مضت سقط منها زواجها وقصة الحب العنيفة التي سبقت الزواج. سردية الفيلم أكثر من رائعة، منحوتة فنية مشحونة بالحب والشجن، ولكني لست بصدد نقد سينمائي لفيلم قديم يعود لعام 2012، بقدر ما استوقفني تمسك الزوج الشديد بزوجته ومحاولاته المستميتة لاستعادة تفاصيل حياتهما والمتعلقة باستعادتها لذاكرتها. يحبها كما هي، حتى في قمة ضعفها، لم يستغل هذا الضعف لصالحه بل ظل يسعى إلى استعادتها دون أن يمزق علاقتها بالآخرين، تقبل مرضها وأعلن الحرب عليه أعادها إلى أهلها الذين أضاعوها من قبل دون منّ ولا أذى ولا ادعاء بطولة.

لو أن القصة خيال مؤلف لاستحقت كل الاحترام والتقدير ورفع المليارات من القبعات لقلب مقاتل من أجل محبوبته، ولكن أجمل ما فيها كونها معاناة حقيقية لزوجين تحملا الوجع والتمزق إلى أن انتصر حبهما في النهاية.

أجمل إحساس أن يتقبلك الطرف الآخر، هكذا كما أنت دون تغيير أو استمالة، يتقبل ميزاتك وعيوبك، ينسج من ضعفك خيطا سميكا يصنع قوة، أن يعشق جنونك وعقلك، إحباطاتك ويأسك وحنقك وإقبالك على الحياة بروح تفاؤلية قتالية دون انهزام، يحب بهاءك وغباءك، عقلك ورعونتك، يتقبل غيرتك لأنها رسالة حبك، وعتابك الرقيق عنوان اهتمامك، يستمتع بمتناقضاتك، يطبطب على قلبك دون أن يشعرك بأنه يتحمل فوق طاقة البشر، وأن عليك أن تسجد شكرا لوجوده في حياتك، وأن تصلي من أجل بقائه معك.

الحب وحده هو من قهر المرض وحطم فترة تائهة في ذاكرة سقطت في بئر عميق وخرجت بآفة فقْد لفترة أحالت الزوج إلى غريب، تحاول جاهدة تذكره أو استعادة ترميم سنوات ربما أنعشت علاقة أصيبت بالتمزق. كان من الممكن أن يؤلف الزوجان الأصليان “كيم وكريكيت” مرثية فقْد توحي بالحزن والكآبة ولكنهما أحسنا بأن لم يفعلا ذلك بل لخصا الحكاية في التداعيات وتقبل الزوج لحالة زوجته ومحاولة العبور معها إلى شاطئ خاص يسكنان إليه بعض الوقت، وينالان قسطا من الأمان والراحة لاستكمال باقي الرحلة.

للحب فروض وواجبات علينا تأديتها دون ككل أو تذمر أو إعلان عنترية مرفوضة، الحب أبسط من أن نهلل للإعلان عنه وحقيقة الأمر أن هؤلاء المهللين لا يقدمون شيئا على الإطلاق غير الكلام، الكلام ولا شيء آخر.

تقبل الآخر مكسب حقيقي لأي علاقة وحمايتها من التفسخ حتى علاقة الأم بأبنائها، فنحن لا نحب أمهاتنا لأنهن أجمل النساء ولا أكثرهن ثقافة أو علما أو جاها أو ثراء، ولكن فقط لأنهن أمهات.

تمنيت في نهاية فيلم “العهد” أن يحظى بأكبر عدد من المشاهدين، وأن يراجع الأزواج علاقاتهم ببعض، وأن ينظرا للصفات الإيجابية فيهم دون الاكتراث بالعيوب، فالنقد اللاذع لن يحصد إلا علاقة متوترة، فأسوأ ما يحطم قلب المرأة أن تحس أنها في مرمى انتقادات زوجها حتى وإن أحسنت. تعلمت بالتجربة أن التغيير الحقيقي للأفضل لن يتحقق إلا بالعدوى، فالنجاح عدوى والفشل عدوى فأعدوا أنفسكم بالنجاح والاحتواء.

أكثر ما يطربني ويطير بقلبي في عالم مزروع بالورد المغسول بالندى قول زوجي “أخشى أن تتغيري، فأنا أحبك كما أنت، وكل ما أخشاه أن أستيقظ ذات صباح فلا أجد الطفلة التي بداخلك، طفلة تفرح بلا حدود وتغضب حد القطيعة، وتسامح بابتسامة وكلمة بسيطة، وأن أجد الحياة أضافت إلى قلبك تجارب تجرده من براءته وتعلن ميلاد أخرى قد لا أعرف مفاتيح قلبها”.

21