أخطاء الترجمة

تشهد حركة الترجمة في مختلف البلدان العربية نشاطا حثيثا وتوسعا كبيرا. غير أن عددا لا بأس به من المترجمين في المشرق والمغرب يمارسون عملهم بكثير من العجلة والتسرع.
الثلاثاء 2019/03/12
مترجمون في المشرق والمغرب شبه جاهلين باللغة الأجنبية

من وحي التراث العربي–الإسلامي الذي به فتن في سنوات شبابه، كتب خورخي لويس بورخيس (1899-1986) العديد من القصص البديعة. و”بحث ابن رشد” واحدة من هذه القصص، وفيها يروي أن فيلسوف قرطبة كان بصدد قراءة “فن الشعر” لمعلمه أرسطو لمّا استوقفته كلمتان غريبتان هما “الكوميديا والتراجيديا”.

وبعد محاولات مضنية لفك لغز الكلمتين المذكورتين، توصل إلى أن الكوميديا قد تعني الهجاء، والتراجيديا قد تعني المديح، كما هو الحال في الترجمة التي أنجزها متي ابن يونس لكتاب “فن الشعر”. لذلك لم يدرك عند حضوره مأدبة عشاء معاني القصة التي رواها صديق له كان قد زار الصين، وحضر عرضا تمثيليا يتمثل في أشخاص يدقون طبولا ويعزفون على العود.

وكان البعض منهم يضعون على وجوههم أقنعة من لون قرمزي. وكانوا يوحون أنهم مساجين، أو انهم يركبون جيادا لكن المشاهدين لم يروا لا السجن ولا الجياد. كما أنهم كانوا يتقاتلون لكن ليس بسيوف إنما بعصي من قصب. وفي بعض المشاهد الأخرى يموتون ثم ينهضون.

ولأن ابن رشد والضيوف الذين معه كانوا يجهلون المسرح الذي يقوم على الكوميديا والتراجيديا، فإنهم اكتفوا في النهاية بالقول إن أولئك الصينيين الذين تحدث عنهم صديقهم قد يكونون بلهاء أو مجانين أو حمقى بهم يتسلى الناس في أوقات فراغهم.

 وما نحن نستخلصه من قصة بورخيس المذكورة هو أن ابن رشد الذي كان له فضل التعريف بأرسطو، قد أخفق مثلما أخفق من قبله متي بن يونس في ترجمة الكوميديا والتراجيديا فضيّع على العرب فرصة اكتشاف جوانب مهمة من الحضارة اليونانية مثل المسرح على سبيل المثال لا الحصر.

ويجدر بنا أن نضيف أيضا أن العرب لم يكتشفوا الترجمة وفوائدها وفضائلها إلاّ في الهزيع الأخير من العصر العباسي، أي في الفترة التي بعث فيها الخليفة المأمون “بيت الحكمة” التي فتحت عيون العرب على ثقافات الأمم الأخرى بعد أن ظلوا يعتقدون على مدى قرون مديدة بأنهم “أمة الأدب والشعر”. لكن بسبب سوء بعض التراجم لم يتمكنوا من التعرف على فنون أخرى مثل المسرح. وكان عليهم أن ينتظروا النصف الثاني من القرن الـ19 لكي يشرعوا في ممارسته مع فنون أخرى.

والآن تشهد حركة الترجمة في مختلف البلدان العربية نشاطا حثيثا وتوسعا كبيرا. غير أن عددا لا بأس به من المترجمين في المشرق والمغرب يمارسون عملهم بكثير من العجلة والتسرع. وغالبا ما يكون هؤلاء غير متمكنين من لغتهم الأم، وشبه جاهلين باللغة الأجنبية التي يزعمون أنهم عارفون بأسرارها وملمون بدقائقها. لذلك يمكننا أن نقرأ أعمالا روائية أو فكرية أو فلسفية تعجّ بالأخطاء من كل نوع وصنف. ورواية “صورة الفنان في شبابه” لجيمس جويس واحدة منها.

فقد عاينت وأنا أقرأها في ترجمتها العربية العديد من الهنات. لذلك كان عليّ أن أقرأها في ترجمتها الفرنسية لكي أعاين أن المترجم قفز على العديد من الفقرات أو أنه لم يفهمها فنقلها مشوهة إلى العربية. ومؤخرا حدث لي الأمر ذاته مع رواية الإسباني أنريكا فيلا-ماتس “بارتلبي وأصحابه” الصادرة عن دار “المدى” العام الماضي. فبعد أن أتيت على عشرين صفحة منها تخليت عن قراءتها بسبب التشوهات الواضحة في الترجمة. وكان عليّ أن أقتني نسخة منها في ترجمتها الفرنسية لأستمتع بقراءة هذه الرواية المكثفة والبديعة التي يرسم فيها صاحبها صورة لكتاب وشعراء كانوا يهربون من الأضواء، ويحبون العيش متخفين عن الأنظار. بل قد يتخلون عن الكتابة رغم موهبتهم العالية، أو يهملون ما يكتبون لأن الحياة في النهاية قصة عبثية لا معنى لها ولا مذاق.

14