أخطاء التغطية الصحافية للعنف ضد النساء تفاقم مأساة الضحايا

تتشارك وسائل الإعلام حول العالم في الكثير من الأخطاء عند تغطيتها لأحداث العنف الجنسي ضد النساء، وتقع على عاتقها مسؤولية دفع الضحايا للمزيد من التكتم بعد الأضرار التي تسببت فيها للبعض من الناجيات من الاعتداء، وهو ما يجعل المهمة بالغة الصعوبة على الصحافيين لكسب ثقة الضحايا مجددا ودفعهن إلى الحديث عن قصصهن.
الجمعة 2017/04/28
مهمة الإعلام ليست تجميل الواقع

بيروجيا (إيطاليا) - تشكل التغطية الإعلامية للاعتداءات على النساء مسألة شديدة التعقيد بالنسبة للصحافيين الذين غالبا ما يجدون صعوبة في إقناع الضحايا بالحديث عن قصصهن من جهة، ويواجهون تحديا في نقل القصة إلى القارئ بموضوعية دون أن تسبب المزيد من الانعكاسات السلبية على النساء من جهة أخرى.

ويطرح الصحافيون دائما تساؤلا حول الآلية الأفضل التي يجب عليهم اعتمادها عند تغطية العنف الجنسي ضد المرأة.

وتقول الصحافية الألمانية داريا سوخارشوك في تقرير لشبكة الصحافيين الدوليين، إن لجنة حديثة ضمت خمسة صحافيين من إيطاليا والمملكة المتحدة، حاولت معالجة هذه المسألة خلال مهرجان الصحافة العالمي في بيروجيا الإيطالية.

وأضافت الصحافية المستقلة المهتمة بقضايا حقوق الإنسان أن الحديث اقتصر على حالات في إيطاليا والمملكة المتحدة، لكن المشكلات التي ناقشتها اللجنة تنطبق على العديد من البلدان حول العالم، مؤكدة “لقد شاهدت شخصيا نفس الأمر في روسيا وألمانيا”.

وأشارت اللجنة إلى أنه وفقا لتقديرات الحكومة البريطانية، فإنّ 75 بالمئة من النساء في بريطانيا اللواتي يتعرّضن لاعتداء جنسي لا يبلغن الشرطة عن الأمر. وعندما يتم الحديث عن اعتداء من قبل الصحافة فإنه يتم إظهاره عادة بطريقة مثيرة مما يؤدي غالبا إلى ضرر أكبر من النفع.

وتتمثل المشكلة الأساسية حول تغطية وكالات الأنباء للعنف الجنسي في الفشل في توفير السياق وفقا لأعضاء اللجنة، ففي مثل هذه الأحداث يظهر الاعتداء وكأنه خارج عن المألوف، والسرد يتركز على الضحية وشخصيتها، وماذا ارتدت، وما إذا كان بإمكانها تجنب هذا الوضع.

داريا سوخارشوك: التغطيات المثيرة حول العنف الجنسي تتجاهل طبيعة الإساءة الجنسية الممنهجة التي تواجهها المرأة

وتستخدم العديد من وسائل الإعلام أسلوبا في التغطية يركز على تصرفات الضحية، ويوحي للرأي العام بفكرة أن العنف الجنسي يمكن تبريره، وأن من وقعن ضحية الاعتداء هن في حقيقة الأمر من تسببن فيه لأنفسهن، والأسوأ من هذا تلك التغطيات الصحافية التي تظهر الجريمة بشكل رومانسي عبر القول إن الضحية كانت “جميلة جدا” وإن المهاجم “لم يستطع السيطرة على نفسه”.

وفي شهادة للمصورة الإيطالية ستيفانيا براندي، قالت إن أحد الاتجاهات المقلقة في إيطاليا هو كيف يتم نشر قصص الاعتداءات الجنسية مع صور وجه الضحية.

وطرح مشاركون في مهرجان الصحافة العالمي، مشكلة جدية أخرى وهي أن المهاجمين يتم إظهارهم على أنهم وحوش، كأشخاص من دون سيطرة ذاتية.

بينما في تغطيات أخرى تدفع وسائل الإعلام القراء إلى أن يكونوا أكثر تعاطفا مع الجاني، مثل القول كيف أن التحقيق الجنائي سوف يضع مستقبل المهاجم في خطر.

أما في حالات التغطيات التي تتبع أسلوب القصص المثيرة حول العنف الجنسي، فإنها تضرب عرض الحائط بمشاعر الضحايا، وتتجاهل طبيعة الإساءة الجنسية الممنهجة التي تواجهها المرأة.

وقال أعضاء اللجنة إن الجريمة القائمة على الجنس هي جزء من القمع الممنهج الذي تعاني منه المرأة، وتقع على عاتق الصحافيين عملية إظهار السياق الأوسع للقضية.

وليس من الصدفة في العديد من القضايا أن النساء اللواتي أبلغن عن مطاردة قد تعرضن لاحقا للقتل أو الاغتصاب من قبل المطارد.

وتقول دراسة أميركية إن 50 بالمئة من هذه القضايا كان الشخص المطارد معروفا للنساء المطاردات.

ويميل بعض الصحافيين الأكثر حساسية من غيرهم عند إعداد مثل هذه التقارير إلى التخفيف من وقع القصة خشية تخويف أو إزعاج الجمهور.

وتقول سوخارشوك “لقد تلقيت تعليقات على بعض تقاريري مثل ‘جعلتني هذه القصة أشعر بالمرض’.

وهو ما جعلني أتساءل ما إذا كنت قد بالغت وردعت بعض القراء عن أخذ المشاكل التي طرحتها بعين الاعتبار بشكل جدي”.

وعندما أخبرت أعضاء اللجنة بهذا وافقوا على أنه يمكن استبعاد بعض التفاصيل في بعض الحالات، لكن يجب الإبقاء على الحقائق كونها ضرورية للمصلحة العامة.

وصرح أحد أعضاء اللجنة بأنه مع تغير المشهد الإعلامي من المتوقع أن يكسب الناجون من العنف المزيد من الفرص لسرد قصصهم من دون استخدام وسائل الإعلام كوسيط.

ومع أن أعداد قدرة أولئك الذين عانوا من الاعتداء الجنسي على سرد قصصهم وفق شروطهم الخاصة قد ارتفعت، فإن هذا لا يزيل عبء المسؤولية عن الصحافيين الذين يجب أن يعدوا التقارير عن هذه المواضيع.

ولا يمكن الحديث عن المعالجة الإعلامية لقضايا الاعتداء الجنسي دون أن يتم تناول الضحايا وانعكاس أخطاء وسائل الإعلام بهذا الشأن عليهم، ولعل جزءا كبيرا من تقوقع الضحايا على أنفسهم وخوفهم من الحديث علنا عن قصصهم، يعود إلى النماذج السلبية التي سوقتها وسائل الإعلام.

18