أخطاء الغرب في سوريا تنبئ بمستقبل غامض

الخميس 2014/07/17
قلق أوروبي من خطر الجهاديين العائدين من سوريا

لندن – انطلاقا من ملاحظة أن سوريا أصبحت اليوم ملاذا رحبا للحركة الجهادية العالمية، يتساءل الباحث الفرنسي فريدريك بيشون “كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه ؟”، ليقدّم الإجابة في دراسة صدرت حديثا له تحمل عنوان “لماذا أخطأ الغرب”. يقدّم بيشون في هذه الدراسة تحليلا أصيلا وذا أهمية كبرى حول ما حدث في السنوات الأخيرة التي حولت سوريا إلى مستنقع غارق في حرب أهلية خلفت حصيلة مرعبة وخطرها سيمتد من بلاد الشام إلى باقي العالم.

المستقبل الغامض الذي أفضت إليه الأزمة السوريّة التي شارفت على إنهاء عامها الثالث، أصبح يطرح أسئلة حارقة لدى عديد المراقبين عن مدى تجاوز خطر المتشددين (الذين يحاربون الآن في سوريا) للداخل السوري، وامتداده ليطال مناطق أخرى من العالم، خاصّة تلك التي كانت منطلقا لشباب جذبتهم الأطروحات المتطرفة فخيروا التوجّه إلى القتال في سوريا، وستشكّل عودتهم إلى بلدانهم في ما بعد خطرا على أمن تلك البلدان واستقرارها.

هذا الخطر المحدّق يعيده بعض المتابعين إلى فشل الغرب في التعامل مع الملف السوري الشائك وعجزه عن تدارك الموقف الخاطئ الذي اتخذه من المعمعة السورية، في الوقت الذي يؤدّي فيه بشار الأسد اليمين لتسلم عهدته الثالثة، غير عابئ بدماء الأبرياء التي سُفكت دون رحمة ولا بمآسي المهجّرين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم حلموا بمستقبل أفضل لهم ولبلادهم.

في هذا السياق، ولدى تحليله للوضع السوري إجمالا وللخطأ الذي ارتكبه الغرب والحسابات التي أسقطها في تعامله مع هذا الملف، تطرّق الباحث الفرنسي فريدريك بيشون، وهو أستاذ بجامعة تور ومستشرق مختص في الجغرافيا السياسية، في إطار أطروحته التي تحمل عنوان “سوريا: لماذا أخطأ الغرب”، إلى الأسباب التي جعلت سوريا منطقة جذب للجهاديين من كافة أنحاء العالم، بمن فيهم الفرنسيون.

وأوضح فريدريك بيشون أنّ هذه الظاهرة تعود إلى سببين اثنين؛ الأول هو الخطأ الذي قام به الغرب المتمثل في تكليف أطراف أخرى بهذه الحرب، والثاني هو البعد الديني الذي تمثله سوريا في مخيلة المسلمين، مشيرا إلى وجوب قياس حجم المشكل في البداية، “إذ يوجد الآن في سوريا عدد من الإسلاميّين المتطرفين، أكثر مرّتين ممّا كان في أفغانستان زمن الغزو الأميركي، حيث أنّ خمسين ألف مقاتل جهادي، أمر لم تسبق مشاهدته من قبل”، على حدّ تعبير بيشون.

بدل دعم الحل السياسي الذي يصب في مصلحته وفي مصلحة المنطقة، غذى الغرب الصراع الدائر، مما أسهم في اشتداد العنف

ولدى تفسيره للخطأ الذي قام به الغرب، قال بيشون "لقد فكرنا في المدى القريب معتبرين أن كل الوسائل صالحة لإسقاط نظام الأسد. لقد فوضنا مساندة المعارضين السوريين لأطراف أخرى، وأهملنا الحل السياسي وأسقطناه من حساباتنا، وهو أمر لا نستطيع التغافل عن كونه سبّب لنا تعقيدات مهمة وصعّب من الحل، ثم وصل بالصراع إلى مأزق ولم يسقط نظام الأسد، لقد وصلنا إلى هذا الوضع بعد أن تميّزت سياستنا بالارتباك وارتكبنا الكثير من الأخطاء".

هذه الأخطاء، حسب رأيه، أنتجت خطرا يهدد بنسف كيانات العديد من الدول الأوروبية التي هجرها أبناؤها للقتال في صفوف المتشددين في سوريا بعد أن استهواهم الخطاب التحريضي، وسيأتي اليوم الذي يعودون فيه إلى بلدانهم وهم يحملون تلك الأفكار المتطرفة التي سيحاولون فرضها على مجتمعاتهم بقوة السلاح إذا لزم الأمر.

وفي محاولة منه للوقوف على أسباب انجذاب “الجهاديّين” الشباب للمجموعات الأكثر تطرّفا مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وليس للمعارضة الإسلامية الأكثر اعتدالا في سوريا، أشار فريدريك بيشون إلى أنّ الدعاية التي تستعملها المجموعات الراديكالية على الإنترنت تنمّ عن احترافيّة في فن الاتصال. حيث أنهم يعرفون جيدا كيفية التخاطب مع الشباب الذين يتوجّهون إليهم، موضّحا أنّ هؤلاء الشباب يبحثون بطبعهم عن تأكيدات أصوليّة جدا وعن مشاعر قوية جدا، وأنّ المتطرفين يوفّرون لهم ذالك، بالإضافة إلى أنّ هذه الجماعات تملك أموالا طائلة وهي مجهزة جيدا خاصة بالأسلحة، وهو أمر يجذب الشباب. ويخلص بيشون إلى القول إن “دعايتهم محكمة التنظيم”، وفق تعبيره.


سوريا ملاذ لجهاديي العالم


البعد الدينيّ الخاص بسوريا كذلك، يعدّ من بين أحد العوامل الهامة في جذب الشباب لـ”الجهاد” والإقبال على بلاد الشام بتلك الأعداد “المفزعة”، حيث أنّ سوريا، حسب بيشون، وتسمى بلاد الشام، "تلعب دورا خاصّا في مجال الإيمان بالآخرة في الإسلام، فبلاد الشام مذكورة في القرآن والأحاديث لأنّها المكان الذي ستحدث فيه المواجهة النهائية في آخر الزمان".

ويضيف "يعتقد المسلمون أيضا أنّ عيسى بن مريم سيبعث إلى الأرض من جديد في بلاد الشام. وتسمّى إحدى مآذن الجامع الأموي في دمشق مئذنة عيسى. كل هذا تجد صداه في مخيلة الجهاديين، فهم يخوضون حربا ضد ما يعتبرونه ‘الشر’ على أرض يتحدث عنها الإسلام. وهذه هي الأسباب التي تجعل سوريا منطقة جذب إلى هذه الدّرجة، وما لم يحسب له الغرب حسابا البتّة هو تأثير تلك المقولات المتطرفة في عقول أبنائه وإمكانية تورّطهم في الاقتتال السوري".

فريدريك بيشون: يوجد الآن في سوريا عدد من المتطرفين أكثر مرتين مما كان في أفغانستان

من جهة أخرى، وليس بعيدا عن سياق التحليل الذي مضى على هديه بيشون، وانطلاقا من ملاحظة أنّ سوريا أصبحت اليوم ملاذا رحبا للحركة الجهادية العالمية، يرى رنو جيرار، المراسل الصحفي في جريدة ‘لو فيغارو’ الفرنسية، نفس الشيء، فأخطاء الغرب بالنسبة إليه هي "نتيجة خليط من الجهل بالتاريخ والمانوية السياسية، وهي وليدة نظرة إلى الشرق مصبوغة بالمركزية الأوروبية".

فسوريا أصبحت، اليوم، بمثابة رقعة شطرنج تحرك عليها القوى العظمى قطعها وتنتهي بخسارة اللّعبة سواء عن عمد أو من جراء جهل بالقوانين. ومن بين خسائر الغرب نجد الجالية المسيحية التي خذلها لأنه اعتبرها قريبة جدا من النظام القائم، وهو أمر أسفر جزئيا عن عزم روسيا بقيادة بوتين على عدم الرضوخ للمطالب الغربية. في هذا الإطار، وبالعودة إلى فريدريك بيشون، فهو يعتبر أنّ اختفاء المسيحيّين من سوريا سيحمل معه طيّة كاملة من الثقافة الشرقية، وسيحمل أيضا "ندم الغرب".

في سياق متصل، لا يستبعد كريم بيطار، الباحث في معهد "ايريس" الفرنسي، أن " تستأنف بعض أجهزة الاستخبارات الغربية الحوار مع سوريا، بسبب خشيتها من عودة الجهاديين إلى أوروبا". ومؤخّرا أعلنت فرنسا خطة لتعزيز قوانين مكافحة الإرهاب على أرضها ومنع توجه الجهاديين للقتال في سوريا. كما شدد مسؤولون أميركيون على أهمية دعم الجهود والقوانين المناهضة للإرهاب في الولايات المتحدة والعالم.

وحسب ما صرّح به وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس فإن أكثر من 600 مواطن أوروبي، بينهم 120 فرنسيا توجهوا إلى سوريا منذ اندلاع الأزمة لمحاربة نظام بشار الأسد وانضم العديد منهم إلى التيار المتشدد المرتبط بالقاعدة وهذه الظاهرة "مقلقة جدا لاتساعها".

وقال كيرشوف إن المقاتلين الأجانب "بضعة آلاف إذا ما ضفنا الذين يغادرون دول البلقان وشمال إفريقيا". وخصائص المقاتلين هي نفسها في دول الاتحاد الأوروبي.

من جانبه، كشف وزير الداخلية الألماني هانز بيتر فريدريش عن معلومات تفيد بمشاركة ما لا يقل عن 50 مقاتلا من ألمانيا في الحرب الدائرة في سوريا. وقال فريدريش إن هناك عددا مماثلا من شباب الدول الأوروبية الأخرى وربما يكون أكثر من ذلك استميلوا للقتال في سوريا.

وذكر فريدريش إن ما يطلق عليهم "المقاتلون الأجانب" يمثلون خطرا كبيرا على أوروبا.

ويصف خطار أبو دياب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة باري سود الوضع الحالي في سوريا بأنه "يتسم بالاهتراء والتفكك"، مشيرا إلى توزع سوريا بين "مناطق نفوذ عدة: سوريا المفيدة (بالنسبة إلى النظام) وهو يسيطر عليها وتمتد من دمشق الى اللاذقية (غرب) مرورا بحمص (وسط)، والشرق الذي تسيطر عليه بغالبيته تقريبا الدولة الاسلامية مع جيب كردي (شمال وشمال شرق) ووجود لقوى المعارضة في الشمال والوسط والجنوب".

الغرب لم يحسب حسابا البتة لتأثير المقولات المتطرفة في عقول أبنائه وإمكانية تورطهم في الاقتتال السوري


المسألة الدبلوماسية


تشعبات الملف السوري وانعكاساته والحديث عن الأخطاء التي ارتكبها الغرب، لا يمكن أن يتم تناولها بالتحليل دون المرور والتوقف عند المسألة الدبلوماسية ومستقبلها، من خلال طرح تساؤل مفاده؛ هل مازال للدبلوماسيّة مستقبل؟

وللإجابة عن هذا السؤال، يورد بيشون في دراسته، شهادة وزير الخارجية الفرنسي السابق هوبرت فيدرين، الّذي سبق له أن قال: "لقد أصبحت السياسة الخارجية عديمة الجدوى بما أنها أصبحت لا تهدف إلاّ إلى تبادل التهاني بين الأصدقاء أو الحلفاء دون الاكتراث بالتحادث مع الآخرين الذين يتم تجاهلهم وتقع معاقبتهم أو قصفهم بالــقنابل".

ولدى تنزيله لهذه المقاربة وعكسها على الواقع السوري، قال فيدرين “نحن نشاهد اليوم أنّ النّظام السوري فضلا عن أنه مازال قائما، يبدو أن الغرب عازم على تثبيته في السلطة من جديد، وزيادة على ذلك سمح بتمركز منطقة رمادية على أبوابه سيأتي منها العنف في المستقبل، العنف الأعمى الذي سيكنس المجتمعات الغربية الهشة، إنّه واقع سيئ تماما”.

انطلاقا من هذا الواقع السّيء الذي يفيد بأنّ سوريا أصبحت اليوم ملاذا رحبا للحركة الجهادية العالمية، يطرح الباحث فريدريك بيشون، العارف بالعالم العربي معرفة جيدة، سؤالا يلخص مؤلفه الأخير مفاده؛ “كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه ؟”، فسوريا، التي أُراد أبناؤها التحرر من سطوة نظام دكتاتوري، وجدت نفسها بعد ثلاث سنوات تتمرّغ في مستنقع عميق لا اسم له، وجدت نفسها في حرب أهلية خلفت حصيلة مرعبة تصل إلى 150 ألف قتيل، هذا فضلا عن تدمير جزء كبير من تراث البلد الثقافي.

سوريا اليوم تعد من بين البلدان الثلاثة الأخطر في العالم، وتمثل بالتأكيد أهم تجمع للإرهابيين القادمين من كل أنحاء العالم، وهو خطر يتهدد استقرار المنطقة وسيقف من الآن فصاعدا على أبواب القارة الأوروبية العجوز، وخاصة فرنسا (التي ارتكز عليها بيشون في دراسته)، فضلا عن البلدان الغربية الأخرى.

هجرة الشباب للقتال رفقة المتشددين في سوريا تهدد كيان أوروبا عندما يقرر المهاجرون العودة إلى بلدانهم

هذه الأخطار التي يمكن أن تلاحظ من الآن فصاعدا الخسائر المنجرة عن سياساتها قصيرة المدى، يفسر الباحث فريدريك بيشون موقفه منها ومن الأسباب التي أسهمت في تعاظمها بقوله: “لم يكن هناك من حل سوى الحل السياسي الذي يصب في مصلحة المنطقة والغرب، وبدل ذلك غذى الغرب الصراع الدائر هناك، مما أسهم في اشتداد دوامة العنف في المنطقة.

والأسوأ من كل ذلك أنّ المساعدات غير المباشرة لفائدة التمرّد الأكثر تطرّفا كانت ومازالت مثقلة بالتهديدات لمستقبل سوريا الغامض ومستقبل أوروبا في حدّ ذاتها".

وإلى جانب المستقبل الغامض للبلاد، هناك مجهول لا يقل إثارة للمخاوف والحيرة، فماذا سيفعل الغرب مع الآلاف من هؤلاء الشباب الأوروبي الذين أرادوا المشاركة في قلب النظام السوري والتحقوا بالمجموعات الإسلامية ؟ في إجابة عن هذا السؤال تأتي كلمات فريدريك بيشون مفعمة بالتشاؤم، إذ يقول الكاتب حرفيا في هذا الصدد: “لا أفغانستان ولا العراق ولا حتى البوسنة جذبت مثل هذا الدفق من المرشحين للجهاد. ومن مازال يرى أن هؤلاء الشباب المتعصبين سيعودون إلى النظام إذا ما عادوا من سوريا؟”.

7