أخطاء شائعة في التربية تنتج أبناء خانعين بشخصية سلبية

تعد تربية الأبناء من أوكد المهمات وأكثرها شقاء، ذلك أنها رحلة طويلة ومغامرة غير محمودة العواقب إذا لم يتصد لها الأهل بما يكفي من الناحية العاطفية والاستعدادات النفسية والكثير من الصبر والحكمة، حيث تلعب السمات الشخصية لأولياء الأمور الدور الأهم في إدارة وجهة هذه الرحلة نحو الاتجاه الصحيح إضافة إلى ما يمتلكونه من خلفيات ثقافية كالتعليم، والأسلوب والمنهج المتوخى في التعبير عن المشاعر، وأهم من ذلك الطريقة التي تربى عليها الآباء ويسعون بكل جهد لتلقينها إلى أبنائهم.
الأربعاء 2016/01/20
لن تنتهي المحاضرة الآن

أوردت الكاتبة الأميركية بيك ستريب تجربتها الشخصية في تربية الأبناء على مدى 30 عاما، مؤكدة أهمية المرونة والحكمة في التعامل مع المشكلات مع مزيج من السخرية والمرح، فهي كفيلة بتخفيف عبء هذا التحدي عن كاهل الوالدين.

وأشارت إلى ضرورة ألا نسمح لتجارب طفولتنا المريرة التي تسببت فيها أخطاء غير مقصودة ارتكبها آباؤنا، بأن تترك بصماتها في الطريقة التي سنعامل بها أبناءنا بل على العكس من ذلك، فهذا الأمر يدفعنا إلى محاولة كسر الأنماط التقليدية في التربية، وفي العلاقات بين الأم وابنتها مثلا، بطريقة تمكنهما الاثنين من تبادل للمشاعر والمخاوف والتحديات التي تخيّم على هذه العلاقة في اتجاه يخدم الطرفين ولا يتسبب في الأذى للطرفين.

وفي كتابها “أمهات وبنات في سن المراهقة”، تؤكد ستريب أن الجزء الأهم في علاقة الأم بأبنائها هو أن تتجنب الأقوال والأفعال التي يمكنها أن تجرح مشاعرهم أو تقوّض من احترامهم لذواتهم. إذ أن الأحداث والمواقف السلبية في حياتنا تترك أثرها السيئ علينا وتقبع في أعماق ذاكرتنا مهما حاولنا أو حاول الآخرون استبدالها أو التخفيف من آثارها، وغالبا ما تأتي محاولات الأهل في هذا الإطار على شكل ندم وشعور مرير بالذنب.

وفضلا عن ذلك، فإن بعض الآباء والأمهات الذين ينادون أبناءهم الصغار بنعوت وصفات جارحة بقصد أو عن غير قصد، وهي تدخل في باب الإساءات اللفظية، قد تتسبب بنتائج وخيمة في مستقبل حياتهم فتكون مصدرا لعقد نفسية ومشاكل سلوكية لا تنتهي.

الجزء الأهم في علاقة الأم بأبنائها هو أن تتجنب الأقوال والأفعال التي يمكنها أن تجرح مشاعرهم أو تقوض من احترامهم لذواتهم

ومن أكثر الألفاظ شيوعا في هذا الجانب، “غبي، بدين، كسول، جبان، اتكالي، تافه”، إضافة إلى وصفهم ببعض النعوت ومناداتهم بأسماء الحيوانات مثلا وغيرها من الصفات التي تعمل عمل الأسلحة القاتلة الكاتمة للصوت.

وهذه الوضعية وصفها الباحثان النفسيان الأميركيان، مارتن تيتجر وكارين رابي في الدراسة التي أشرفا عليها في العام 2014 وكان عنوانها “الإساءة اللفظية وأثرها في النمو العقلي للطفل”، حيث جاء ضمن نتائج البحث أن هذا النوع من الكلمات الجارحة التي قد تصدر بصورة عفوية من قبل الأهل، إضافة إلى الضغط النفسي والشعور بالخجل والحرج وما يمكن أن يصاحب هذه الصفات، قد تتسبب في تغييرات محسوسة في نمو وتطور دماغ الطفل في هذه المرحلة الحرجة من العمر.

وتحذر ستريب من مغبة استخدام الأهل لكلمة “دائما”، أثناء تعنيف الأبناء عن سلوك خاطئ أو ضياع أشياء تخصهم أو تحطيم قطعة أثاث في المنزل، فالأطفال وبخاصة الصغار منهم يميلون إلى ارتكاب الأخطاء، وهذا أمر حتمي بين الحين والآخر، إلا أن طريقة تأنيبهم ولومهم من قبل الأهل قد تعزز من تكرر هذا السلوك الخاطئ، فيتحول الأمر من مهاجمة السلوك إلى مهاجمة الطفل نفسه، إذا استخدمت كلمات معينة في التأنيب مثل “أنت دائما تتصرف بهذا الشكل”، أو “لماذا تضيّع دائما ساعتك؟ أو لماذا تتلف ملابسك الجديدة دائما؟”.

وبدلا من ذلك، يمكن للأهل استخدام أسلوب أكثر هدوءا في الحوار مثل، “ألا تستطيع المحافظة قليلا على ملابسك؟” أو “ما الذي يحدث، لماذا تتصرف هكذا؟”.

ينبغي على الأهل الذين يحبون أطفالهم، أن يدركوا بأن لكل منهم شخصيته وقدراته التي تميزه عن غيره
وهناك خطأ شائع آخر يقع فيه معظم الآباء والأمهات، وهو عقد مقارنة بين طفلهم والأطفال الآخرين، رغبة منهم في حثه على بذل المزيد من الجهد في الدراسة أو تحسين سلوكه أو القيام بصقل هواية معينة.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذه الحيلة القديمة يمكنها أن تأتي بنتائج معكوسة وربما خطيرة، كما أنها تثبط من همة الطفل وتجعله يشعر بأنه أدنى مستوى من الآخرين، وبالتالي تشوه صورة الذات عنده وتفقده ثقته بنفسه.

ويرى متخصصون أنه ينبغي على الأهل الذين يحبون أطفالهم أن يدركوا بأن لكل فرد شخصيته وقدراته التي تميزه عن غيره، ولا يمكن بأي حال أن يكون الطفل نسخة عن غيره سواء أكان ذلك بإرادته أم رغما عنه.

وفي حين يلجأ بعض الآباء إلى وضع قواعد وأسس وحدود معيّنة في التعامل مع الطفل بصرف النظر عن عمره وجنسه، حيث يفرض عليه بعضهم جملة من المحاذير ويعامله بصورة مجحفة وتسلطية عند ارتكابه الأخطاء وكأنه شخص راشد مسؤول عن تصرفاته، وهي من أكثر الأمور التي تستدعي خوف الطفل وقلقه، وهو ما يجعله يقوم بتنفيذ الأوامر بدافع الخوف من العقاب وليس عن قناعة، حيث يبدو شبيها في ذلك بالموظف الذي يخضع لسلطة رئيسه في العمل خوفا من معارضة القوانين. وهذه الطريقة في التربية لا تؤدي إلى تقويم السلوك بقدر ما تفضي إلى تلافي نتائج الرفض، وحتما فهي تسهم في إنتاج شخصية سلبية مذعنة للطرف الآخر.

21