أخطبوط داعش يحرك بوصلته نحو شمال أفريقيا

الثلاثاء 2014/07/15

بعد أن امتطت “داعش” صهوة الثورة الشعبية في سوريا ونفثت سمومها البغيضة بشكل مريع فوق مطالب المدنيين العزل، الحالمين بدولة ديمقراطية تنسيهم سنوات الجمر السابقة، ترصدت الجماعة المتشددة، بعيون شاخصة، التحرك السني والعشائري المناهض لسياسة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الطائفية، ورمت بنيرانها في بلاد الرافدين، مستغلة ضعف السلطة المركزية والتحالف المُقنّع مع بعض التنظيمات والمجاميع المكتوية بلهيب التجزئة الطائفية للمالكي.

حدثان مختلفان على مستوى الأمكنة، جمع بينهما هدف وحيد ألا وهو بسط “الفكر الداعشي” في بلاد الله الواسعة، بغية وأد كل مظاهر التحضر والتمدن، وفرض تعاليم إسلامية جديدة ما خبرها الإسلام والمسلمون يوما، وكلاهما براء منها براءة الذئب من دم يوسف.

أغلب التحليلات والتوقعات التي عقبت دخول الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” على خط المواجهة في العراق لم تكن مهيأة لهذا النوع من الوجبات السريعة، ولم تصب أغلب التخمينات في خانة التمدد المتوقع لهذا التنظيم المستشري بفعل المعالجة الخاطئة والمتسرعة لكينونته، حتى جاءنا الخبر الصاعقة بإعلان “داعش” لدولة الخلافة المزعومة على الحدود السورية العراقية.

اهتزت فرائص المتابعين والمحللين بعد إعلان أبو بكر البغدادي دولة الخلافة، لتنطلق المحاذير الفعلية والحقيقية من إمكانية التمدد الأوسع، خاصة في منطقة شمال أفريقيا بعد أن عمدت بعض التنظيمات المتشددة في ليبيا وتونس إلى مبايعة داعش والبغدادي أولياء عليها، ونزع قميص القاعدة لاستبداله بالتنظيم المستحدث.

وهنا تبدو إمكانية وصول “داعش” إلى ليبيا أمرا واردا في ظل وجود بيئة خصبة، متشحة بتنظيمات تنتهج نفس الفكر والقيم الموغلة في إراقة الدماء، خاصة التنظيمات الجهادية المتلحفة برداء الإخوان المسلمين، في بلد ينتشر فيه السلاح دون رقيب أو حسيب.

فالمشهد السياسي الشائك والوضع الأمني المتأزم في ليبيا قد يفتحان شهية “حراس النوايا” للزحف والإجهاز على النسيج الاجتماعي الليبي المفكك بفعل التعدد والتنوع القبلي، وسط انتهازية واضحة من قبل التنظيمات الإسلامية الإخوانية في ليبيا المدعومة بأذرع خارجية، والتي تدفع، منذ وقت بعيد، نحو سياسة الأرض المحروقة، ولا ترى ضيرا في دعم تنظيم دموي، تفرق بينهما الغنيمة ويجمعهما الفكر العبثي.

تبدو المسألة على قدر كبير من الأهمية، والتصدي لتبعاتها أصبح حتمية ضرورية، خاصة مع تأكيد اللواء المتقاعد خليفة حفتر على ضرورة عدم التحاور مع المتشددين، وهي رسالة واضحة المعالم مفادها مواصلة عملية الكرامة بكل ثقة لتحرير ليبيا من براثن الإرهابيين الماكثين فوق إسفلتها، وإنذار شديد اللهجة لكل من تسوّل له نفسه ضرب أمن ليبيا واستقرارها، وعلى رأسها الجهات الحاضنة والداعمة للإرهاب “الناعم” المتمثل في الدعم المعنوي واللوجستي.

غير بعيد عن ليبيا، بدأت تونس تتحسس مخاطر وانعكاسات تمدد داعش، فسارعت بوضع استراتيجية أمنية بالتعاون مع الجزائر لحماية الحدود المديدة، خاصة بعد تتالي العمليات الإرهابية في سفوح جبال عدة محافظات مثل القصرين والكاف وجندوبة، وبعد أن أكد وزير الداخلية التونسي، لطفي بن جدو، في وقت سابق أن السواد الأعظم من المقاتلين التونسيين في سوريا ينضوون تحت لواء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أصبح حريّا بالحكومة التونسية وضع دراسة شافية واستشراف رصين يمكّن الدولة من اجتثاث الإرهاب، وتجفيف منابعه، ومنع تغذيته من قبل تنظيمات جديدة تريد تهيئة موطئ قدم لها في تونس.

عديد الخبراء الأمنيين في تونس وليبيا والجزائر حذروا ليس فقط من محاولة هذا التنظيم اختراق سيادة دول شمال أفريقيا، بل أيضا من انعكاسات عودة المقاتلين الحاملين للفكر المتشدد إلى أراضيهم، ومن ثم الدخول في نوع جديد من إرهاب لا يقل خطورة عن الأول ألا وهو الإرهاب الفكري القابل للانفجار في أي مكان وزمان بكبسة زر واحدة، وهو ما يخشاه التونسيون التواقون لحياة هاجعة دون دم، ومجتمع يتسع لجميع المشارب الفكرية والسياسية على حد سواء.

يجب الآن التفكير مليا في كيفية تفكيك العنكبوت “الداعشي” الذي بدأ يتموج من مشارق الأرض إلى مغاربها ينسج خيوطه اللزجة ويهدد استقرار بلدان شمال أفريقيا، لكن منابت هذا الخوف الكامن يمكن تبديده عبر تفعيل آليات عملية منها، تضحية كل الأطراف بميراثها الفكري، وإلغاء كل الخلافات المستعرة بينها لقطع الطريق أمام موجة الخطر الإرهابي.

وفي ظل الصورة القاتمة التي رسمت ملامحها الجماعات المتشددة عقب “فصل” عربي لم يتبين معدنه بعدُ من بين فصول السنة الأربعة، يحاول المواطن العربي الخروج من فِكاك الثنائية المقيتة؛ عقم العمل الديمقراطي وفجاجة الخطاب الديني.


كاتب صحفي تونسي

9