أخلاق القراءة

الثلاثاء 2013/11/26

أعرف أنّ كلّ الذين أصدروا كتبًا في صنوف الإبداع قد جرّبوا تمرينَ كتابة إهداءات لأصدقائهم على الصفحة الأولى من كتبهم. وأعرف بالتجربة أيضا أنّ الواحد من هؤلاء يظلّ يُميل رأسَه، ويتنحنح، ويسعل أحيانا، ويسأل الله أن يحشر معه جندًا من ملائكته وشعبًا من شياطينه الأبرار ليستقويَ بهم على صوغِ عبارات رقيقة تفيض شعريّة يكتبها مائلةً، وأحيانا بخطٍّ ابتدائيّ، وفق صيغة لغوية يجتهد في جعلها تُخالف صيغ الإهداء المألوفة حتى يُثبتَ صفةَ الكاتب فيه ويُقنع بها المُهدَى إليه، وظنّه كلّه أنّ كتابه سيحظى بالاحترام اللائق به وسيقرأ قراءات ضافية وربّما يُحفظ في صدارة مكتبةٍ من تلك المكتبات التي تُزيِّنُ صالونات البيوت وتُمسَح عنها غبرتُها كلّ صباح.

وأزعم أنّ أغلب الإهداءات أكثر شعريّة من متن الكتب المهداة، بل إنّ النظر في بعض الإهداءات يفضح تهافت لغة النصَّ المُهدى، ويكشف عن تهافت معانيه، وذلك من جهة أن تلك الإهداءات عادة ما تكون أقلّ من المتن هَذرًا وأكثر منه تكثيفا وأقلّ أخطاءً،بل وتتوفّر على الحدّ الأدنى من الصنعة الإبداعية.

والظاهر أنّ شعريّة الإهداءات لا تشفع للكتاب المُهدى بحيازة احترام مَن أُهديَ له، ذلك أنّ تصفُّحًا للكتب التي تباع على قارعة طرقات شوارعنا العربية ضمن ما بات يُعرف بـ "الكتب المستعمَلة"، يُوقفنا على مجموعة من الحقائق لعلّ أبرزها هي أنّ الكتابَ العربيَّ لم يعد يحتاز احترام القرّاء وصار سقط متاعٍ أعرَى من حيّةٍ.

ولئن استطعنا أن نقبل،من باب التحريض على فعل الخير الثقافي بعدما ركدت سوق أفعال الخير السياسي والاجتماعي، أنيبيعِ قارئ مَّا كتابا مَّا كان قد قرأه واستحلب معانيه، فإننا لا نُخفي تألّمنا من وجود كتب، من تلك التي تُعرَضُ على الرصيف وتحرقها حرارة الشمس وتُفسد ألوانها سيول الأمطار وتتغشّاها غَبرة أرجل المارّة، تحمل إهداءات جميلة وبتواريخ معلومة لأسماء نعرفها.

والذي يؤلم أكثر في هذا الأمر، هو أنّه متى سألنا باعة تلك الكتب، وخاصة منهم أولئك الذين نعرفهم، عن الطريق الذي وصلت منه إليهم، أخبرونا بأنهم اشتروها بأثمان بخسة من الناس الذين أهدِيَتْ لهم.

ولا شكّ في أنّ شخصا يمتلك جرأةَ بيع كتابٍ مُهدى إليه بعبارات شعرية ما كان يظنّ أن تُكتب له أو لم يحلم بأن تُكتب له، لَهوَ شخص يحتاج إلى تتبّع قضائيّ وتغريم معنويّ جرّاء فعلته تلك. لأنّها فعلة تُحيلُ إلى تدنّي مستوى علاقتنا بالكتاب، وإلى قلّة أدبنا في التعامل مع أصحاب الأدب.

في تونس العاصمة، وبالتحديد في "نهج الدبّاغين"، وهو نهج صغير فيه عَجَبُ التونسيّين وعُجابُهم، توجد أكداس من الكتب المستعمَلة تدوسها عجلات السيارات وأرجل المارة. وهي كتب، يحمل أغلبُها إهداءات منتقاة بعناية، كتبها أصحابُها بكلّ ما توفّر لهم من حرارة الإبداع وما اطّلعوا عليه من خزين لغة قريش، ولكنّ كتبهم وكلمات إهداءاتهم انتهت جميعها منبوذة مثلما تُنبَذ المُهمَلات.

هناك دار للكاتب في تونس، هي دار، في شكل نادٍ، تقع في قلب العاصمة مقابل مركز شرطة (وهو ما يثبت خوفَ السلطة من الإبداع)، كانت أنشأتها وزارة الثقافة التونسية لغايات عديدة منها عزل المثقّفين ومراقبتهم وحثّهم على الكتابة عن بعضهم بعضا مقابل إغراءات متنوّعة كالعشاءات الخالصة والسفر المجّاني والمشاركة في الملتقيات. في هذه الدّار، يَعرضُ الشعراء والقصّاصون والروائيون أحدث نتاجاتهم ويهدونها بعبارات شعرية إلى حضور مخمور، ولكن ما إن تمتلئ مثانةُ أحدهم حتى يسارع إلى حيث يسارع متأبِّطًا الكتابَ المُهدى إليه، وهناك يسقط كتابه من يمينه، ويعود راضيا مرضيا،ويواصل حديثه إلى صاحبَ الكتاب عن كلّ ما يعرف من أخلاق القراءة والثقافة.

14