أخلقة الحياة السياسية حيلة برلمانية لتكميم الأفواه في تونس

هجوم وضغط شعبي واسع على مشروع قانون يعزز حصانة النواب يدفع صاحب المبادرة إلى سحبها كما تراجع عنها العديد من النواب الذين وقعوا عليها.
الثلاثاء 2020/03/31
لا تراجع عن الحرية

أثار نواب بالبرلمان التونسي جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية بعدما قدّموا في الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام بمكافحة فايروس كوفيد- 19، مشروع قانون ينص على وجوب تعديل فصول بمجلة الإجراءات الجزائية بهدف فرض عقوبات بالسجن وخطايا مالية على كل من يتعمد الإساءة إلى الغير (في إشارة إلى النواب) أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات. خطوة وصفها المتابعون بأنها بداية العودة إلى مربع الدكتاتورية والتضييق على الحريات.

تونس- أثار طرح عدد من نواب البرلمان التونسي مشروع قانون هدفه تعديل الفصلين 245 و247 من المجلة الجزائية جدلا واسعا في تونس لتزامن هذه الخطوة مع انشغال البلاد في مكافحة وباء كورونا.

ورغم أن صاحب المبادرة التشريعية النائب مبروك كورشيد، سحب مشروع القانون بعد الانتقادات والضغط الشعبي الذي سلطه الرأي العام والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، فإن تداعيات هذه الخطوة ما زالت متواصلة في ظل ما استنتج من الحركة بأنها بالون اختبار لتدشين مرحلة جديدة عنوانها التضييق على الحريات.

وينص مشروع القانون الذي تم اقتراحه، على أن يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين عام وعامين وبخطية تتراوح من  10 إلى 20 ألف دينار تونسي (حوالي 6.5 آلاف دولار أميركي) كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات.

خالد الكريشي: هناك سوء فهم في التقييم لوضع أخلقة العمل السياسي
خالد الكريشي: هناك سوء فهم في التقييم لوضع أخلقة العمل السياسي

وأثار مضمون هذا المقترح التشريعي جدلا كبيرا في مواقع التواصل الاجتماعي وصل حد اعتباره تمهيدا للتضييق على الحريات، في وخطوة جديدة لسلب الحريات والعودة إلى مربع الدكتاتورية، فيما وصفه آخرون بكونه يهدف إلى الحد من ترويج الأكاذيب في فضاءات التواصل الاجتماعي. ولم تغب قضايا الحريات وحقوق الإنسان عن دوائر الضوء في تونس رغم الانشغال اليومي للعالم بمكافحة وباء كورونا المستجد، حيث تعالت الأصوات المنددة بمشروع القانون المذكور الذي بدا في ظاهره يستهدف مكافحة الأخبار الزائفة وأخلقة الحياة السياسية، لكن في باطنه تكميم للأفواه المعارضة، حسب رأي منتقديه.

 وتقدم عدد من النواب إلى رئيس البرلمان بمبادرة لتعديل نصوص الفصول 245 و246 و247 من المجلة الجزائية مبرزين في نص المبادرة أنها تهدف إلى أخلقة الحياة السياسية والاجتماعية عبر “التصدي للجريمة الإلكترونية المتعلقة بهتك الأعراض والمساس من شرف الأفراد والجماعات دون وجه حق بغاية الحد من انتشار الإشاعات التي تمس من اعتبار الأشخاص ومن رمزيتهم السياسية والاجتماعية”.

وجاء في نص المبادرة التي وقعها النائب عن حزب تحيا تونس مبروك كورشيد ”الجريمة الإلكترونية المتمثلة في نشر الأخبار الزائفة شهدت رواجا ببلادنا في الفترة الانتقالية الأخيرة والتي باتت تهدد العملية الديمقراطية برمتها في تونس وهي التي هددت ديمقراطيات عتيدة مثل فرنسا وألمانيا مما اضطرهما إلى سن قانون رادع لحماية الديمقراطية من العبث وتوجيه الرأي العام عن طريق الإشاعة والأخبار الزائفة”.

ولم تنل هذه المبادرة رضا الشارع على غرار الحقوقيين والإعلاميين وبعض السياسيين، الأمر الذي قاد كورشيد إلى سحبها لاحقا “بشكل مؤقت” كما تراجع عن المبادرة العديد من النواب الذين وقعوا عليها من البداية، بعد هجوم وضغط شعبي واسع.

محمد صافي الجلالي: ليس من الأخلاق تقديم مبادرة بهذا الشكل في هذا الظرف
محمد صافي الجلالي: ليس من الأخلاق تقديم مبادرة بهذا الشكل في هذا الظرف

وتمحورت المآخذ من مشروع القانون في سببين، الأول، توقيته في ظل المعركة التي تخوضها بلاد مرهقة اقتصاديا واجتماعيا لتطويق وباء كورونا الذي أصاب 314 تونسيا. والثاني استهدافه لأهم مكسب تتمتع به تونس منذ الإطاحة بنظام الحزب الواحد في يناير 2011 وهو مجال الحريات.

توقيت غير مقبول

رصدت “العرب” آراء بعض السياسيين والنواب والخبراء بشأن مشروع القانون الذي تقدم به النواب. وأجمع هؤلاء على أن توقيت عرضه لم يكن مناسبا في ظل حالة الطوارئ الصحية التي تمر بها البلاد، كما استغرب هؤلاء التفكير في مشروع يحصن النواب من أي نقد يتعرضون له في مواقع التواصل الاجتماعي. وكل نائب يتعرض إلى النقد والثلب وما شابه.

ويقول خالد الكريشي، النائب عن الكتلة الديمقراطية الذي انسحب من المبادرة تماشيا مع قرار حزبه بعد توقيعه عليها، إنها لا تلبي الغايات المرجوة من تنقيح الفصل 245 من المجلة الجزائية.

وأوضح لـ”العرب” أنه يوجد سوء فهم في التقييم لوضع أخلقة العمل السياسي. وهذا الدافع وراء التراجع عنه لكنه يرى أنه من الضروري إيجاد قانون يجرم الإشاعة وهتك الأعراض والسب والشتم على مواقع التواصل الاجتماعي لأن التشريع الجاري به العمل حاليا لا يلبي هذا الغرض وتضرر منه العديد من الأطراف في مقدمتهم الإعلاميون لغياب إطار تشريعي يجرم الإشاعة.

 وبين أن المشروع تقدم به النواب منذ ثلاثة أسابيع وقبل أزمة كورونا، غير أن توقيت عرضه يبقى محل استفهام. وعزا ذلك إلى التجريح الذي تعرض له مسؤولون بالحكومة في الآونة الأخيرة على وسائل الإعلام المحلية، لافتا إلى أن مشروع القانون لا ينتفع به النواب فقط كما وقع تصويره، بل تنتفع به كل الأطراف ولا يتضمن اعتداء على حرية التعبير بل يفرق جيدا بين حرية التعبير وبين السب وترويج الإشاعات.

أحمد نجيب الشابي: هذا المشروع غير مبرر ومشط لأقصى درجة
أحمد نجيب الشابي: هذا المشروع غير مبرر ومشط لأقصى درجة

ولا يتفق مع هذا الرأي، السياسي والمحامي التونسي البارز أحمد نجيب الشابي، والذي له تجربة في المجال الحقوقي في فترة حكم نظام زين العابدين بن علي.

وبين الشابي لـ”العرب”، “من الناحية المبدئية يوجد نص في مجلة الاتصالات يجرم بعض الأفعال مثل الأخبار الزائفة والثلب، وفي الحقيقة هذه المجلة استعملت في النظام السابق لقمع الحريات وأنا شخصيا كمحام رافعت في العديد من القضايا للدفاع على نشطاء حقوق الإنسان الذين تعرضوا لهذه التهم وطبقا لأحكام مجلة الاتصالات”.

ومبدئيا يعتبر الشابي، أن مشروع هذا القانون لا موجب له، كما أن الجرائم الصحافية والمتعلقة بحرية التعبير مهما كانت الوسيلة الإعلامية يجب أن تكون مجرمة من حيث المبدأ، وتقر مبدأ الإدانة وبناء على ذلك تقر التعويض على الضرر المعنوي. وبالنسبة للعقوبات يجب أن تكون أخف ما يمكن.

 ويرى أن “العقوبات المشددة في مجال حرية التعبير تتنافى مع مبدأ حرية التعبير ذاته، وأمام هذه الأسباب يستنتج الشابي أن هذا المشروع غير مبرر ومشط لأقصى درجة كما أن العقوبات السجنية غير مقبولة”.

الاستثمار في الأزمة

ورد الإعلان عن مشروع القانون في توقيت مفاجىء بالنسبة للتونسيين، ما فسر على أنه محاولة لاستثمار أزمة كورونا لتقييد الحريات، وتحقيق مكاسب سياسية يزيد فيها البرلمان من سطوته، وهو الغارق في معركة على الصلاحيات مع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.

 وعلى العكس من ذلك، يرى شق كبير من التونسيين أن البرلمان الغارق في الصراعات وغير المتجانس بحاجة إلى الأخلقة وتهذيب الخطاب السياسي، ويحمل كثير من التونسيين مسؤولية تردي المشهد السياسي إلى الأحزاب وسط تهاوي الخطاب السياسي مع المعارك التي ينقلها التلفزيون الرسمي التونسي بين النواب باختلاف كتلهم التي بلغت حدود توجيه تهمة التكفير.

عبدالحميد الجلاصي: الخطأ الأساسي في عدم التحري في اختيار التوقيت المناسب
عبدالحميد الجلاصي: الخطأ الأساسي في عدم التحري في اختيار التوقيت المناسب

 ويرى القيادي بحزب تحيا تونس محمد صافي الجلالي أن التوقيت لا يسمح بمثل هذه القوانين وأن الأولوية لمواجهة كورونا. ويضيف “لا أجد من الأخلاق، تقديم مبادرة بهذا الشكل وهذا الظرف وفي هذا التوقيت”. بدوره، يرى السياسي التونسي والقيادي السابق بحزب حركة النهضة عبدالحميد الجلاصي، أن مثل هذه القضايا الحساسة التي تتطلب ميزانا دقيقا، تحتاج إلى حوار واسع وإلى جهد بيداغوجي ومراعاة مسائل قد تبدو شكلية في الأوضاع العادية ولكنها ليست كذلك في أوضاع الحروب مثل التي نحن فيها.

ويتابع الجلاصي “الخطأ الأساسي في عدم التحري في اختيار التوقيت المناسب وبالتالي المنهجية المناسبة”.  أما الخطأ الثاني حسب رأيه فهو الذي ارتكبه عدد من الديمقراطيين ويكمن في أنهم “خلطوا أنفسهم بشخصيات قد لا تكون الديمقراطية أكبر همهم، وقد انتبهوا لذلك وبادرو بحسن التفاعل مع الرأي العام الذي طالب بسحب المبادرة”.

 رفض شعبي

استنكر الحقوقيون والإعلاميون وسياسيون هذا المشروع، ورغم أنه قد يجد حجة لدى البعض في ظل انتشار الأخبار الزائفة لكن هذا القانون كان مجحفا في الحريات وغير متوازن ولا يراعي المكاسب التونسية في هذا المجال.

وعلى غرار منظمات المجتمع المدني التي نددت بهذا المشروع، عارض اتحاد الشغل، القوة النقابية الوازنة بالبلاد مشروع هذا القانون.

ونبه الاتحاد في بيان من استغلال فترة الأزمة الوبائية للالتفاف على مكاسب الشعب ومؤسساته العمومية بالتلويح بنغمة “الإصلاحات الموجعة” أو باستثمار أي تفويض دستوري، يُفترض إِنْ وُجد، ألاّ يتجاوز مجابهة وباء كورونا، للتوسّع في الصلاحيات على حساب الحرّيات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيات والتونسيين.

جمال مسلم:  يجب تفعيل المرسوم 115 لتطويق الأخبار الزائفة
جمال مسلم:  يجب تفعيل المرسوم 115 لتطويق الأخبار الزائفة

 وعبر عن رفضه لمشروع التعديلات في مقترح القانون المتعلق بتعديل الفصلين 245 و247 من المجلة الجزائية ويعتبره في صيغته تلك متعارضا مع الدستور وضربا للحرّيات كما أعرب عن ارتياحه لسحبه. وشدّد على أنّ مقاومة الأخبار الزائفة لا تتوقّف فقط على سنّ القوانين بل تقوم أساسا على وعي جميع الأطراف بمسؤوليتهم في التصدّي إلى سعي البعض، ممّن جنّدوا جيوشا إلكترونية، إلى تَتْفِيهِ المنظّمات والأحزاب وهياكل الدولة وتشويههم لأغراض شخصية وحزبية مَقيتة.

ويشير جمال مسلم رئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان لـ”العرب” إلى ضرورة تفعيل المرسوم 115 الصادر عام 2011 لتطويق الأخبار الزائفة، رافضا الالتجاء إلى العقوبات السجنية والمالية في هذا الغرض. ودعا إلى العمل بين “المجتمع مدني والسياسيين للتصدي إلى هذه الظاهرة”.

ويستنج متابعون أن البرلمان الذي فقد ألقه وفاعليته ومصداقيته لدى الرأي العام يحاول تحصين نفسه من النقد عبر هذا القانون في ظل ارتفاع موجة الانتقادات الحادة ضده.

ويشرح المحلل السياسي فريد العليبي الدواعي السياسية لهذه الخطوة. ويقول “إن البرلمان يريد تعزيز سلطته بتحصينه من النقد الموجه إليه من قبل المواطنين في شبكات التواصل الاجتماعي خاصة أن ذلك النقد قد وصل إلى مستوى غير مسبوق قبل مدة عند محاولة النواب إجبار رئيس الجمهورية على منحهم جوازات سفر دبلوماسية، فضلا عن الكشف عن تورط نواب في جرائم اقتصادية وجنسية وبروز نقص كفاءتهم في التعامل مع ملفات كثيرة وصراعاتهم المصطنعة لجلب الانتباه”.

وخلص بالقول “من هنا نفهم كيف التقت كتل نيابية مختلفة وأحزاب متنافرة في ما بينها لتقديم مشروع قانون ‘مكافحة الأخبار الزائفة والقذف الإلكتروني’ حيث تجاوز النواب الخلافات السياسية للدفاع عن مصالح تجمعهم كفئة أصبحت تنظر إلى نفسها على أنها فوق الشعب والسلطة التنفيذية والإعلام والمجتمع المدني.. مما جعل منظمات نقابية وسياسية وثقافية وحقوقية فضلا عن المواطنين يتكاتفون لرفض ذلك المشروع باعتباره يهدد الحريات العامة التي ينظر إليها على أنها المكسب الوحيد للانتفاضة التونسية”.

مبادرة تشريعية في تونس وصفها المتابعون بأنها بداية العودة إلى مربع الدكتاتورية والتضييق على الحريات
مبادرة تشريعية في تونس وصفها المتابعون بأنها بداية العودة إلى مربع الدكتاتورية والتضييق على الحريات

 

6