"أخوة الدم" صورة قاتمة من التاريخ الأميركي

محمد علي كلاي بين مالكوم إكس وإليجاه محمد وصراع الزعامات.
الأحد 2021/09/19
الزعامة كانت أقوى من الأخوة

تخفي نضالات السود ضد العنصرية في الولايات المتحدة الكثير من التفاصيل، وقد تناولتها السينما من أكثر من جانب كاشفة عن خفاياها وخاصة الصراع الذي خاضته الحركات المناهضة للعنصرية ضد السلطات الأميركية من جهة والتنافس الشديد بين زعاماتها من جهة أخرى، منافسة قد تصل إلى حد القتل والإلغاء.

لا يمكن النظر إلى التاريخ الأميركي الحديث والأحدث دون المرور بحقبة الحقوق والحريات وانتفاضاتها المتواصلة طيلة حقبة الستينات بشكل خاص، حيث شهدت الذروة التي يسلط فيلم “أخوة الدم” للمخرج ماركوس كلارك الضوء عليها ببلاغة ومنهجية ومعالجة سينمائية رصينة.

وبعدما كثرت الأفلام السينمائية التي عالجت موضوع مرحلة انتفاضات الحقوق والحريات يأتي هذا الفيلم ليشكل إضافة جدية، لاسيما وأنه يختار زاوية ذكية بمقاربة تلك الحقبة من خلال شخصيتي مالكوم إكس ومحمد علي كلاي اللذين شكلا وما يزالان أيقونتين أميركيتين في تاريخ الأميركيين السود وفي تاريخ الحريات المدنية وما شهدته الولايات المتحدة الحديثة من صراعات عرقية وعنصرية ما تزال نيرانها كامنة تحت الرماد.

صراع الزعامة

الفيلم يرصد بروز ثلاث شخصيات في تلك الحقبة المشتعلة من الحياة الأميركية والصراعات التي نشأت في ما بينها

في تلك المقاربة كان نجم مالكوم إكس في تصاعد وهو يلهب حماس الجماهير بمطالب تتعلق بحريات السود ومهاجما مجتمع البيض البغيض وشديد العنصرية، ويقدم الفيلم وقائع مريرة لأشكال بغيضة من التمييز العنصري الذي ساد الحياة الأميركية في تلك المرحلة، إذ ترتفع لافتات من قبيل هذا المكان يمنع فيه دخول السود وباصات للنقل العام لا يوجد فيها مكان لهم، وحتى محلات بيع الملابس لا يسمح لهم فيها بقياس ما يشترونه.

على وقع هذه الخلفية كانت هنالك جرائم بشعة ترتكب ومنها الإعدام خارج القانون وكان من ضحاياه والد مالكوم إكس شخصيا، الذي تم قتله من قبل ثلة من البيض ورميه تحت عجلات القطار، ومن هنا وقع التحول في مالكوم إكس الذي عرف عنه قبل الانخراط في تيار الحقوق المدنية للسود أنه كان يعيش في نفس الهامش الذي كان يعيش فيه أغلبية السود من قبيل المتاجرة بالمخدرات وأعمال السرقة وغيرها، حتى أنه دخل السجن بتهم مرتبطة بتلك الجرائم ليخرج منه وليقع التحول في حياته.

يرصد الفيلم بروز ثلاث شخصيات في تلك الحقبة المشتعلة من الحياة الأميركية وهم كل من مالكوم إكس وكاسيوس كلاي الذي سيصبح في ما بعد محمد علي كلاي وإليجاه محمد زعيم جماعة أمة الإسلام الذي كان يلهب حماس السود بعنصرية مقابلة باتهام البيض أن ربهم الشيطان وليس يسوع.

يمكنك أن تتلمس من خلال فيض من الوثائقيات شديدة الأهمية والفاصلة التي تدفقت بغزارة في هذا الفيلم بذرة الصراع الذي ينشأ في وسط الحركات الثورية، ثم ما يلبث أن يتحول إلى شرارة تتسبب في حريق هائل، وما ذلك إلا الصراع على الزعامة وهي الإشكالية الأكثر أهمية التي عالجها هذا الفيلم.

الفيلم يقدم وقائع مريرة لأشكال بغيضة من التمييز العنصري الذي ساد الحياة الأميركية في تلك المرحلة

وإذا توقّفنا عند شخصية محمد علي كلاي فقد تتبّعها المخرج منذ البدايات، لاسيما وأنها شخصية إشكالية وقعت في وسط تقاطع النيران ما بين قائدين عريقين ما لبثا أن أصبحا متنفاسين وهما إليجاه محمد ومالكوم إكس، فالملاحظ أن صعود نجم هذا الأخير شعبيا كان يتزامن مع قصة صعود كلاي رياضيا، ولاسيما بعد أن احتضنه ثلة من الأثرياء في ما يشبه اتخاذه حصان سباق في منازلات الملاكمة للوزن الثقيل.

وكانت حركة أمة الإسلام في أوج صعودها بينما كانت انتصارات كلاي تزيد من ثقة السود بأنفسهم، لاسيما مع الصعود المدوي لكلاي وهو يصرع عتاة الملاكمين سودا وبيضا وهو يمجد نفسه بأنه أهم شخص في عالم الرياضة والملاكمة، وبهذا كانت نشوة الثوار والمنتصرين والمنتفضين قد طغت على أولئك الرموز وأسكرتهم كأس الاحتضان الشعبي والتراجع الحكومي مما زاد من نرجسية الجميع.

تحولات درامية

مالكوم إكس ومحمد علي كلاي أيقونتين في تاريخ الأميركيين السود والحريات المدنية
مالكوم إكس ومحمد علي كلاي أيقونتين في تاريخ الأميركيين السود والحريات المدنية 

التحول الدرامي في الفيلم تمثل في حادثة اغتيال جون كينيدي في العام 1963، حيث نعاه ورثاه إليجاه محمد بينما شمت فيه مالكوم إكس، وكانت تلك هي القطرة التي أفاضت الكأس، إذ رسم المسار السردي الوثائقي لشخصية إليجاه محمد أنه حول نفسه وبسبب الحماس الشعبي والالتفاف من حوله إلى شخص مقدّس وربما يقترب من المرسلين في وهم شعبي كاسح، ولهذا كان تصدي مالكوم إكس له بمثابة نوع من الخروج على طاعة المقدس، ولهذا اعتبر إكس منفيا من جنة إليجاه محمد وما تبع ذلك من تداعيات أدت إلى انسحاب إكس من جماعة أمة الإسلام ولهذا لم يجد ملاذا سوى كلاي يحتمي به.

تحضر خلال ذلك وبقوة تأثيرات وسائل الإعلام وأدوار المباحث الفيدرالية التي كانت ترى في تنامي الخلاف بين أولئك الرموز الكبار فرصة ذهبية للتخلص من المد الثوري للسود الذي كان قد عصف بالولايات المتحدة وجعل كينيدي قبيل رحيله يتساءل إلى أين تسير تلك الأمة المنقسمة عرقيا.

وإذا عدنا إلى شخصية كلاي فقد زادته الانتصارات التي صار يحققها شراسة في وجه المناوئين لحركة السود، وكان خلال ذلك يقترب تدريجيا من عالم إليجاه محمد حتى سقط في شراكه وصار بالتدريج تابعا أمينا له، ثم في آخر المطاف جعلوا من مالكوم إكس شخصا منبوذا ومحاصرا، لينتهي به الأمر مقتولا في اجتماع حاشد بعد إحراق منزله.

15