"أخيلة الظّل" لمنصورة عزّالدين رواية الوعي والذاكّرة

الرواية في الأساس قائمة على لعبة كتابية تراوح بين الخيالي والواقعي.
السبت 2019/07/06
شخصيات تحلم بالماضي (لوحة للفنانة نور بهجت)

قليلة هي الأعمال التي تبتغي الكتابة وسيلة لها، بل ونادرة جدّا هي أعمال المرأة التي تشتغل بآليات الكتابة وحرفيتها. فقد عمدت المرأة في معظم نتاجاتها لأن تجعل من الذات موضوعا لها، فمالت في الكثير منها إلى ما يمكن وصفه بروايات اجترار الذات، وفي بعضها سعت إلى مقاومة بطريركية الرجل.

تأتي أهمية رواية “أخيلة الظل” للكاتبة المصرية منصورة عزّ الدين، من كونها مشغولة بهاجس الكتابة أولا وأخيرًا. فهي رواية تجريبية تنتمي إلى الروايات الكتابية حسب مصطلح آلان روب جرييه، التي تتوسّد بقارئها كمشارك فيها. فتضعنا السَّاردة التي تتبادل الأدوار مع الشخصيات الرئيسية، كاميليا، وآدم، وأولجا في لعبة افتراضية، تذيب فيها أوهام التخييل والواقع معًا.

ونتساءل معها ومع شخصياتها: هل ما نعيشه نحن هو مجرد حكاية مرسومة سلفًا؟ أم واقعنا لا يفرق عن حكاية متخيّلة، نسير ونتحرك بذات الأدوار التي رسمها لنا ساردون مجهولون؟لما لا، ما دامتالكتابة في جوهرها كما جاء على لسان كاميليا “مطاردة للسراب، ولعب معه، بل واختراع له، تحويل الواقع إلى سراب مخاتل، والإيهام بأن السراب حقيقة ماثلة تنتظر أن تروى بمائها المتطاير”؟!

الذاكرة والوعي

تبدأ الساردة الرواية التي تتبادل مواقعها مع آخرين ولا نعرف مَن الراوي الأصلي: هل هو كاميليا أم أولجا الكاتبة الروسية، أم سارد خارجي مُلم بالتفاصيل، بإداخلنا في هذه اللعبة الافتراضية، حيث تستحضر قارئها معها: “لننس مؤقتا كافكا ومتحفه والفلتافا وبراغ، لنترك أولجا شاردة أمام حاسوبها، وساندور محدقًا في أصابعه، وروز محبوسة في زنزانة من اللون الأرجواني، وفلاديمير سائرًا بلا هدف. ولنستحضر رجلاً وامرأة جالسين على مقعد خشبي وأمامها بئر”. في استعادة لصيغة سردية حاضرة في تراث سردي قديم، كما تمثلته ألف ليلة وليلة، وأيضًا بحكاياتها المتوالدة والمتشابكة، فتتردد قصص داخل النص كقصة “آميديا” التي تكتبها أولجا وهي قصة طفلة ناجية من مذبحة، وقصة “ناسك في غابة” التي كتبها آدم وأهداها إلى كاميليا ثم قصة كاميليا “السحب منخفضة” كرد على قصة آدم؛ وهي تجلس على مقعد خشبي “في الباحة الأمامية لبيت على ضفة “الفلتافا” قريبًا من جسر تشارلز” في مكان وسيط هو “براغ” تجمع فيه بين سيدة قاهرية ورجل من سياتل، لا جامع لهما سوى المكان والمهنة وانثيال الذاكرة. وتنتهي الرواية بهما في ذات المكان وعلى نفس المقعد الخشبي مع اختلاف النظرة وقد انتهى كل شيء “تلاشى قبل حتى أن يبدأ”. ومع هذه المتاهة السّردية القائمة على تبدل المواقع السردية، وتداخل الأماكن بين القاهرة وبراغ، نكتشف في النهاية أن كاميليا من اختراع أولجا الكاتبة الروسية فهي “أشبه بابنة تخيلاتها وأحلام يقظتها”.

الرواية تقوم على لعبة تبادلية بين الرواة تضعنا أمام حكايات منفصلة ومتصلة موجعة ومؤلمة في ذات الوقت

الذاكّرة والوعي هما محور الرواية، فالشخصيات جميعها تعود إلى الطفولة، وتحكي عن أزمات حقيقية. ونكتشف مع هذه اللعبة التبادليّة بين الرّواة أننا أمام حكايات موجعة ومؤلمة في ذات الوقت، حكايات منفصلة زمكانيًا وإن كانت تتفق في الوجع والهم، فطفولة كاميليا تتقاطع مع طفولة ساندور؛ فهو كان مُفْتقِدًا للأم بعد أن هجرتهم فصار طفلاً وحيدًا، و”اقتصر عالمه على أبيه ورفاقه” فجمّع صورًا متنوِّعة لماريا كارلاس مغنية الأوبرا اليونانية، حيث أرادها أن تكون بديلاً “للمرأة المغيَّبة والغائمة عن عالمه” مع أنها لم “تكن تشبه أمه إلا في لون الشعر والعينين”. وبالمثل كاميليا كانت مفتقدة للأب الذي كان دومًا يصفها أوقات غضبه بأنهادبدوبة “بطيئة الفهم والحركة”.

كانت علاقات كاميليا متوترة، على صعيد الأب والأم معًا، ولم يذب التوتر إلا بمرضها، فمارست الابنة دور الأم الذي كانت تفتقده، لدرجة أنها جازفت بحلم الأمومة إذا اقتربت منها، وفقًا لنصحية الطبيب، إلا أنها لم تبالِ، لتحقِّق لنفسها دورًا افتقدته في أمها. والأغرب أنه عندما جاء الحمل تخلّصت منه، كردٍ على قسوة الأمومة عليها. كاميليا التي كانت حكاية على حاسوب أولجا فقد كانت “منذ صغرها مسحورة بتخييل فضاءات أخرى إمكانيات وخبرات تتيحها لها أحلام يقظتها“، أرادت منذ صغرها أن تكون كاتبة، فهي تعشق صحبة الشخصيات المتخيّلة،ومن هنا راحت تنسج حكاية كاملة لآدم؛ طفولته وقهره للخوف بالقبو. ومراهقته وكيف اختبر تجربته الجنسية الأولى في القبو مع فتاة كانت عصبية ونافذة الصبر، تبرمت منه عندما قذف سريعًا.

لعبة الكتابة

الذاكّرة والوعي هما محور الرواية
الذاكّرة والوعي هما محور الرواية

الرواية في الأساس قائمة على لعبة كتابية تراوح بين الخيالي/ الافتراضي والواقعي. ولعبة التداخلات لا تقف عند الافتراضي والواقعي، بل تشمل أيضًا الأحلام والواقع. فالكاتبة التي جاءت في زيارتها إلى “واحدة من مدن أحلامها” تقودنا إلى كسر الحاجز الفاصل بين الوعي واللاوعي، الواقع والأحلام. الخيط الفاصل بين الخيالي / الافتراضي والواقع يتماهى عبر سارد خارجي يسرد الحكاية وفقًا لترتيبها كما خطّط، بالضمير الغائب / الهو، من موقع محايث.

وأحيانًا يحدث التداخل من قبل الشخصية نفسها فكاميليا تُصرِّح بأنّها “لست امرأة من لحم ودم. بل فكرة خطرت لكاتبة، وراحتْ تجترها بلا رغبة في تعميقها، أو التوسع في كتابتها”. ثمّ مرّة ثانية تعترف بوظيفتها ككاتبة ودورها في نسج شخصيات تمزج بين ذاتها وبين الشخصيات المستعارة. بل تذهب أبعد فتعترف بأن “حياتي نفسها مستعارة”.

كما يحلُّ الواقعي محل الافتراضي عندما تزور كاميليا بيت آدم بعد مئات الرسائل الإليكترونية المتبادلة معًا، وهناك في البيت تكتشف عالم روز وجحيمها الذي قبرته في غرفة “فيليت” التي سيتضح أنها أختها،كما أنّها انتبهت إلى أنّ “كل ما ألقاه آدم في عقلها من حكايات وحوادث، ينتمي إلى عالم طفولته ومراهقته وأسلافه ولا شيء يخص الرجل الذي هو عيله الآن”.

لكن لعبة الاستبدالات والإحلالات المغرمة بها السّادرة، تُعاود الظهور مرّة ثانية، فبعدما تُؤَسِّس حياة لكاميليا على مستوى الواقع، وتكشف علاقة أمها دولت بالفنانة كاميليا التي ستسمي ابنتها تيمُّنًا بها، وإن كانت معبرًا لحبها الخفي للممثل أحمد سالم، فتى أحلامها، نفاجأ في الوحدة الثانية المعنونة ب ـ”فليكن اسمها أولجا” بأنها تكسر توهّم المتلقي الذي كوَّنه من حقيقة كاميليا فتقول” لنتفرض أن الكاتبة الروسية التي حلمت بها كاميليا، تُدعى أولجا”. فيتحوّل التخييل واقعًا فأولجا التي حلمت بها كاميليا كاتبة صارت واقعًا، وكاميليا صارت ابنة أحلام أولجا. لعبة التداخلات لا تقف عند الافتراضي والواقعي، بل تشمل أيضًا الأحلام والواقع.

تأخذنا الكاتبة وهي تسرد عن شخصياتها، إلى دهاليز العملية الكتابية وكل ما يحيط بها من طقوس، وخلق الشخصيات، فتخبرنا وهي تخلق شخصية آدم “فلنفترض أنه حفيد لاجئة شرق أوسطية تزوجت بحارًا يونانيا وانتقلت معه من ميناء إلى آخر حتى استقر بهما المقام في ستايل”. يتكرر في حديثها عن فلاديمير زوج أولجا فتقول “من غير المنصف حصر من اخترنا له اسم فلاديمير في تفصيلة عجوز يذرع جسر تشارلز جيئة وذهابًا في حلم كاميليا. وكذلك حالات الحيرة وهي تتبع مصائر أبطالها. وقد نرى هذه الحيرة أثناء كتابة أولجا قصة عن طفلة ناجية من مذبحة، حيث: “لهثت أولجا بخيالها، خلف آميديا، من مكان لآخر. توقفت فجأة حائرة. ماذا ستفعل بطلتها الآن؟ أو للدقة، ماذا ستفعل هي ببطلتها الآن؟ لازمتها الحيرة لأيام، تحملق في الكلمات المكتوبة، لها كرسوم فارغة، يغيب عنها معنى كل كلمة على حدة، ويتلاشى المعنى العام لكل ما سبق سطرته يداها”.

كما تنقل لنا أعراض فترات الجدب لمن يمتهن حرفة الكتابة، وهي تصف مشاعر أولجا التي أخذت تستسلم “للتوتر والإحباط، تشرب طوال اليوم تقريبًا، ولا تطيق أنْ يقترب منها أحد،ثم وفي تطور تفاجأ هي نفسها به، يصبح الطهو ملاذها حين تراوغها الشخصيات المتخيلة، وتفلت من بين أصابعها”. ولا تنسى أن تشير إلى وحي الكتابة الذي يأتي دومًا دون تخطيط وقد فاجأ أولجا مشهد لآميديا على سرير ضيق في دير حيث “كانت تعجن بتيزا”.

تتنقل السَّاردة بين مكانين؛ القاهرة وحديقتها المخفية التي تخلو من المتنزهين، وقد صارت ملجأها “كُلما شعرت بضيق ورغبة في الغرق داخل ذاته“ إضافة إلى أماكن كلها تشير إلى الضيق والحصار كالملجأ والقبو كما في حكايتها عن آدم وجدته، والدير الذي قضت فيه خمس سنوات من عمرها، وثمّة أماكن عابرة كانت بمثابة الانتقالات من وإلى. لكن يبقى حضور القاهرة وبراغ مائزًا، في وصف الحدائق وبيت كافكا وجسر تشارلز. وهذه التنقلات منحت الزمن انسيابيةومرونة لأن يكون مستوعبًا لحركة التنقلات بين الحاضر والماضي القريب البعيد أيضًا. في الحقيقة نحن مع نص كاشف مغزول بلغة مصقلة بالدلالات، بعيدة عن الإسراف اللغوي، وبجمل مشهدية دقيقة العبارة مختزلة، عبرت عن وطأة المنافي والافتقاد في آن. مع اهتمام بالعبارة الروائية التي منحت النص بناءً جوانيًا متماسكًا أشبه بخيوط لا مرئية.

Thumbnail
15