أداء سيمفوني وأوركسترا من الممثلين في "برج لوصيف" للمسرح الوطني التونسي

الأحد 2016/10/23
شخصيات مختلفة يجمعها القلق

يقدّم عرض “برج لوصيف”، إنتاج المسرح الوطني التونسي، المشارك في الدورة 23 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، مقاربة درامية لحياة أسرة تونسية ثرية تدخل في دوامة من المشاكل والخلافات، بعد أن يعمد بعض أفرادها إلى إخفاء خبر إصابة الأب “قارون” بمرض مميت، وإيهامه بأن ما يعاني منه مجرد التهاب في القولون ليس أكثر إثر رحلة علاج في ألمانيا، وذلك طمعا في تدهور حالته الصحية والاستيلاء على الثروة التي يمتلكها، والمتمثلة بأرض واسعة من أجود الأراضي في الشمال الغربي من تونس، مساحتها 28 ألف هكتار، وتسمى بـ”برج لوصيف”.

ونكتشف قبل نهاية العرض أن هذا الأب لم يكن ثريا في الأصل، بل حفّار آبار، لكن من المؤكد أن الثروة هبطت عليه بوسائل غير نزيهة، من دون أن يشير النص إلى ذلك، وهو يعرف أن أغلب مَن حوله منافق وكذاب.

يحمل العرض، الذي كتب نصه وأخرجه الشاذلي العرفاوي (عن مسرحية “قطة على سطح من صفيح ساخن” للأميركي تنيسي وليامز)، إسقاطات على الواقع السياسي التونسي، وتحديدا على التناحر بين الفرقاء من أجل الاستئثار بالكراسي والصراع حول النفوذ، ذلك أن القط حينما يغيب عن المنزل تلعب الفئران، كما يقول المثل، وهو الأمر الذي يحدث، ولا يزال يحدث، في جميع الدول العربية التي أسقط الشارع أنظمتها خلال ما يسمى بـ”الربيع العربي”، على الرغم من أن الإدانة في النص الأصلي لتنيسي وليامز تُوجّه إلى القطط، بدلالتها الرمزية، التي تشحذ أنيابها لافتراس كل من يقف في وجه أطماعها الجامحة، في حين أنها تموء في داخلها بأنين خوفا من آلامها الباطنية وقلقا على مصيرها المجهول.

منذ المشهد الأول، الذي يجري فيه الاحتفال بعيد ميلاد الأب قارون، وعبر الإيماءات الجسدية للممثلين، يحيلنا العرض، أو يذكّرنا برائعة شكسبير “الملك لير” في إطارها العام، وليس في التفاصيل، وأعني النوايا المبيّتة المغلّفة بالنفاق والرياء، ومن ثم فإننا كمتلقين ينفتح أفق توقعنا على ما سيحدث لاحقا كتحصيل حاصل لتلك النوايا، التي تمثّل أحطّ النوازع في نفوس البشر، النوازع التي تسحق القيم والأخلاق والفضيلة وتطلق العنان لعربدة العقوق والطمع والرذيلة. وهي النوازع ذاتها التي يمارسها العديد من السياسيين في العالم العربي، حيث يحاول كل واحد منهم امتلاك الوطن، ويدّعي وصله بليلى وليلى مريضة بدائها.

في التفاصيل تتباين شخصيات المسرحية، في أفكارها وهواجسها وتطلعاتها، لكنّ أمرا واحدا يجمعها هو القلق، فالأب الثري (الذي أدى دوره الفنان الكبير صلاح مصدّق) قلق ومفزوع على مصير ثروته الهائلة بعد موته، وقد مضى عمره سريعا دون أن يشعر به، وطردته الحياة وهو لم يشبع منها، وسيرحل عنها وثمة أشياء كثيرة لم يجربها. كل ذلك نفهمه من تساؤلاته الإنكارية التي يطرحها في حسرة شديدة.

أما الابنان فلكل منهما مذهب وعقيدة في الحياة، الكبير (الذي أدى دوره عبدالقادر بن سعيد) يتظاهر بتديّنه وورعه، وسجادة الصلاة لديه علامة مفضوحة، قناع نفاق لتحقيق مآربه، ولا يتردد عن كشف نواياه في الحَجْر على أملاك أبيه. بينما الصغير (الذي أدى دوره مهذب الرميلي)، المصاب بكسر في ساقه، نتيجة لسقوطه من فوق حصانه، مدمن على الخمرة كوسيلة لنسيان أحزانه، لكنه الأصدق والأنبل من أخيه، لذلك كان الأقرب إلى أبيه. الأم (التي أدت دورها الفنانة الكبيرة سهام مصدّق) امرأة ساذجة، قلبها أبيض، محدودة الوعي، ضعيفة الإرادة أمام سلطة القدر وتشتت مطامع الأبناء.

زوجة الابن الكبير (التي أدتها صالحة النصراوي) أنموذج للمرأة المنقادة إلى زوجها بلا اقتناع، والمنبوذة في العرف الاجتماعي المتخلف لأنها أنجبت خمس بنات ولم تخلّد اسم العائلة بإنجاب مولود ذكر، والحرباء في الوقت نفسه، حتى أنها تنزع عنها ثياب التقوى وتتحول إلى راقصة، في أحد المشاهد، كناية لانسلاخها عن برقع التدين الكاذب! وكشفها عن نوازعها الحقيقية. وأخيرا زوجة الابن الصغير (التي أدتها شاكرة الرماح)، فهي امرأة مفجوعة بسبب عدم إنجابها، تعيش مرارة عُقد زوجها وأزماته النفسية، وتعدد خيباته في الفوز بسباق الفروسية ومعاناته بسبب عدم قدرته على زرع جنين في أحشائها وإشباع ظمئها الجسدي والعاطفي.

لذة العرض في الأداء السيمفوني

هذه الشخصيات الخمس، التي تتكون منها الأسرة، تشكّل لوحة فسيفسائية تتجاور على سطحها الأحجار والألوان المتباينة، وتتقاطع وتتنابذ، بل تغدو، حسب المنظور السيميائي، آلة تبث علامات التشتّت والتفسخ الاجتماعي والصراع السياسي، وكأنها تختزل المجتمع الكبير الذي أنتجها خلال تحولاته الدراماتيكية التي أفقدته التوازن.

في الإخراج صاغ الشاذلي العرفاوي عرضا متقنا أمينا على التقاليد التي أرساها المسرح التونسي، والمتمثلة بالدقة والتنوع الشديد والانضباط في مقاربة أداء الممثلين لشخصياتهم أداء عميقا ومدروسا، ورسم الحركات والتكوينات على الخشبة (أو الركح كما يسمّونه عندهم)، والحفاظ على وتيرة الإيقاع الصارم الذي لا يشوبه خلل ولا تنتابه لحظات تراخ، لأن الميزان موجود في دواخل المؤدين الواعين الحساسين قبل أن يوجد على الخشبة. ولذلك كان سحر أدائهم كفيلا بإزاحة الحاجة إلى سينوغرافيا ثقيلة أو تفصيلية، فالسرير كان عنصرا ديناميكيا كافيا لاحتضان دلالات العرض حينما يشير إلى مهد الولادة وحدّ الوفاة، ويشكّل محرارا لقياس مدى نجاح العلاقة الزوجية أو فشلها، وما ينتج عن ذلك من تفكك أسري واجتماعي وحتى سياسي. أما الكرسي فقد كان، حسب تعبير الناقدة التونسية ليلى بورقعة، بمثابة أنطولوجيا الإنسان المعاصر، حيث يلتصق به في حميمية شديدة، ولا يتنازل عنه إلا في حالة مواجهة مصيرين مؤلمين: الموت أو المرض.

هاتان العلامتان السينوغرافيتان عززتهما الإضاءة المصممة والمنفذة بدقة، عبر إسقاطاتها العلوية والجانبية، إضافة إلى الثريات المتدلية وتلك التي على السايكوراما في محمولها السيميائي الذي يشير إلى الثراء وفضاء القصر. وكذلك التعتيم المقصود، في قسم من المشاهد، الموحي إلى عتمة دخائل بعض الشخصيات.

ذلك عن العنصر البصري، أما العنصر السمعي فإنه آسر وأخّاذ بأغانيه ومؤثراته الصوتية وموسيقاه التونسية الشعبية أو الريفية المفعمة بالشجن والروح التراجيدية، والمنفذة بوضوح ودقة عاليتين. لقد كان توظيفها في مرحلة تصاعد الأزمة بالعرض ينمّ عن إدراك وحساسية وشاعرية، جماليا ودلاليا، لدى المخرج المبدع الشاذلي العرفاوي، لتعميق العرض في مبناه ومغزاه، أو رسالته التي يمكن تأويلها بأن المال عاجز عن شراء سعادة المخلوق البشري، بل ينسحب كل عزّه وسلطانه ليتركه مجردا في مواجهة قدر الموت. ومن هناء جاءت تسمية مكتنز المال بـ”قارون”.

أخيرا، أين تكمن اللذة، بالمعنى الذي أعطاه رولان بارت للنص الإبداعي، في هذا العرض الراقي؟ إنها تكمن، حسب رأيي، في الأداء السيمفوني المتقن الرائع لأوركسترا الممثلين، بقيادة المخرج المايسترو طبعا، بفهمهم واستيعابهم الخلاّق لشخصياتهم، لدواخلها وإيقاعاتها وتحوّلاتها، وقدرتهم على التحكم بخصوصيات كل واحدة منها، والحفاظ على إيقاعها بانضباط شديد، من دون نسيان فترات الصمت المشحونة بالمعنى، التي توزّعت على جسد العرض مثل شذرات ألماس.

كاتب من العراق

15