أداة جينية لإعادة صياغة شفرة الحياة

وحده الخيال يمكن أن يضع حدودا لاستخدام "مقصات" كريسبر.
الاثنين 2020/10/19
شاربانتييه وداودنا.. تقنية مثيرة للجدل

في سعيهم إلى حياة أبدية، اختار البعض العلاج الجيني، وهو من المجالات الواعدة في الأبحاث الطبية، سلط الضوء عليه مؤخرا منح جائزة نوبل للكيمياء للفرنسية إيمانويل شاربانتييه والأميركية جنيفر داودنا، لتطويرهما “مقصات جزيئية” قادرة على تعديل الجينات البشرية. ورغم ما أثارته التقنية من مخاوف وانتقادات، يسخّر الأثرياء أموالهم في التكنولوجيا التي تقدم وعودا لإطالة أعمار البشر.

لندن – لم يكن الأربعاء 7 أكتوبر 2020، وهو اليوم الذي منحت فيه لجنة تحكيم نوبل للكيمياء الجائزة لثنائي نسائي هما الفرنسية إيمانويل شاربانتييه والأميركية جنيفر داودنا، المرة الأولى التي سمع فيها العالم كلمة “كريسبر كاس” (المقصات الجزيئية). وقد استحقت العالمتان الجائزة لجهودهما في تطوير “مقصات جزيئية” قادرة على تعديل الجينات البشرية، في إنجاز اعتبر ثوريا في مجال الكيمياء وعلم الوراثة.

عواقب محتملة

سبق للأميركي جوسيا زينير أن أثار هو الآخر ضجة عام 2017، عندما بث مباشرة محاولة لتعديل جيناته بفضل تقنية كريسبر الملقبة. وهذه الأداة الثورية التي طورت العام 2012 وتعرف باسم “المقصات الجزيئية” تبسط تقنيات تعديل الحمض النووي. وقد استخدمت بنجاح لمعالجة مرض جيني في الدم هو فقر الدم المنجلي.

إلا أن السلطات الطبية ووكالة الأدوية والأغذية الأميركية تحذر من استخدام هذه “المقصات” المتوافرة في السوق للاستخدام الفردي.

ويوضح كيران موسونورو، الأستاذ في علم الجينات في جامعة بنسلفانيا أن المقصات غالبا ما تقص قرب الجين المطلوب، وأن “الاستخدام سهل جدا في حال كنا لا نهتم بالعواقب”.

وفي 30 ديسمبر العام الماضي، قضت محكمة صينية بالسجن ثلاث سنوات على عالم الأحياء الصيني هي جيان كوي الأستاذ الجامعي السابق الذي عدل في جينات طفلتين توأم خلال مرحلة الأجنة وتغريمه 3 ملايين يوان (430 ألف دولار أميركي) بسبب ممارساته الطبية غير المشروعة.

التشيخ هو بطريقة أو بأخرى برنامج في الجينات والطريقة الوحيدة لمكافحة التشيخ هي في تحطيم هذا البرنامج

وكان جيان كوي قد أعلن في نوفمبر 2018 بأنه استخدم تكنولوجيا تعديل الجينات المعروفة باسم “كريسبر- كاس 9” لتغيير جينات التوأم، ما أثار رد فعل غاضب في الصين والعالم بشأن أخلاقيات أبحاثه وعمله.

وقال العالم الصيني إن تجربته نجحت في تعديل الحمض النووي لأجنة، بحيث يتم إكسابهم مناعة ضد الإصابة بفايروس نقص المناعة المكتسبة المعروف بـ”الإيدز”. وحسب ما ذكرته شبكة أخبار “شين لانغ” الصينية، وجد فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا الأميركية بلوس أنجلوس، أن هناك أدلة جديدة تربط بين الجين الذي حاول العالم الصيني تعطيله وعجز في القدرة التعلم والذاكرة، حيث يؤدي تعطيل هذا الجين إلى تطوير القدرات الدماغية.

وقال ألكينو جي سيلفا، وهو عالم أعصاب بجامعة كاليفورنيا إن “تعطيل الجين له تأثير واضح على الدماغ”.

ومن خلال إجراء التجارب على الفئران، وجد سيلفا وفريقه البحثي أن القضاء على الجين لا يجعل الفأر أكثر ذكاء فحسب، بل يحسن أيضا تعافي الدماغ بعد السكتة الدماغية.

وأضاف سيلفا “باختصار، قد تؤثر هذه الطفرات على الوظيفة المعرفية للتوائم، لكن التأثير الدقيق على الوظيفة المعرفية في الرضع المحررين جينيا لا يمكن التنبؤ به، ولهذا السبب يجب ألا نقوم بذلك”.

البحث عن الأبدية

إيمانويل شاربانتييه: النساء العالمات يستطعن أيضا أن يحققن أثرا بواسطة أبحاثهن
إيمانويل شاربانتييه: النساء العالمات يستطعن أيضا أن يحققن أثرا بواسطة أبحاثهن

ويقول عالم الأحياء الروسي ماكسيم سكولاتشيف، المتخصص في العمر المديد في جامعة موسكو، إن أتباع الحياة الأبدية ربما على حق بقولهم إن بالإمكان إبطاء التشيّخ ووقفه حتى.

ويضيف “نعتبر أن التشيّخ هو بطريقة أو بأخرى برنامج في الجينات والطريقة الوحيدة لمكافحة التشيّخ هي في تحطيم هذا البرنامج أي قرصنته نوعا ما”.

ويوضح العالم أنه بهذه الطريقة يمكن محاربة العواقب الناجمة عن التقدم بالسن والسرطان، مشيرا إلى أن العيش حتى سن المئة قد يصبح هو المعيار، لكنه يتوقع أيضا أن يصاب الطاعنون في السن بمشكلات صحية مجهولة حتى الآن.

ويدور في الولايات المتحدة نزاع في شأن براءة اختراع تقنية “كريسبر – كاس 9” بين العالمتين الفائزتين بالجائزة والباحث الأميركي الشاب من أصل صيني فنغ زهانغ.

وإذا كانت جوائز نوبل تمنح غالبا لاكتشافات تعود إلى عقود، فإن التقدم العلمي الكبير المتمثل في “المقصات الجزيئية” يعود إلى السنوات العشر الأخيرة فحسب.

وتمكنت شاربانتييه وداودنا تالياً من التقدّم على عدد من المرشحين الآخرين السبعينيين والثمانينيين، علما أن من مبادئ جائزة نوبل ألا تُمنح بعد الوفاة.

وأوضحت لجنة التحكيم خلال الإعلان عن اسمي الفائزتين في ستوكهولم أن الجائزة أعطيت لهما لنجاحهما في “تطوير وسيلة لتعديل الجينات” بواسطة “أداة لإعادة صوغ قانون الحياة”.

وباتت شاربانتييه (51 عاما) وداودنا (56 عاما) سادس وسابع امرأة تفوز بنوبل الكيمياء منذ العام 1901.

وأملت شاربانتييه في أن يكون فوزها وزميلتها “رسالة قوية جدا” للشابات، إذ أنها المرة الأولى تعطى الجائزة بأكملها للنساء.

وقالت خلال مؤتمر صحافي أقامته لجنة نوبل بعد وقت قصير من إعلان النتيجة إن “النساء العالمات يستطعن أيضا أن يحققن أثرا بواسطة الأبحاث التي يجرينها”.

وإذا كانت الطريقة العلاجية الجينية المعروفة تقوم على إدخال جينة طبيعية سليمة في الخلايا التي تتضمن جينة خاطئة، على طريقة حصان طروادة، لكي تتولى العمل الذي لا تستطيع الجينة الخاطئة القيام به، فإن “كريسبر” ذهبت أبعد من ذلك. فبدلا من إضافة جينة جديدة، يمكن من خلال هذه الأداة تعديل الجينة الموجودة أصلا.

وتُعتبَر هذه الأداة سهلة الاستعمال، وقليلة التكلفة، وتتيح للعلماء قصّ الحمض النووي بدقّة في المكان الذي يريدونه، لأهداف منها مثلا التسبب بطفرة جينية أو تصحيحها ومعالجة أمراض نادرة.

12