أدباء عرب يستضيفون دون كيخوتي في بيت الرواية التونسي

ندوة عن الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس اعتبر فيها جل المتدخلين "دون كيخوتي" عملا روائيا واقعيا.
الاثنين 2018/10/15
دون كيخوتي عمل واقعي

ضمن برنامج الاحتفاء بالروائيين الكبار انتظمت بين العاشر والثاني عشر من شهر أكتوبر الجاري، في بيت الرواية التونسي بمقر مدينة الثقافة في العاصمة تونس، ندوة عن الإسباني ميغيل دي ثيربانتس (1547-1616) صاحب رائعة “دون كيخوتي” التي لا تزال إلى حد الآن أحد أعظم الآثار في تاريخ الرواية العالمية، وإليها يعود كبار الروائيين من كل اللغات، ومن كل الثقافات، باعتبارها مرجعها أساسيا في مجال فن الإبداع الروائي.

 وقد رافقت الندوة الفكرية التي شارك فيها روائيون وأكاديميون ونقاد أمثال الجزائري واسيني الأعرج والعراقي محسن الرملي والمغربي محمد الداهي والتونسيون محمد القاضي والمنصف الوهايبي ومحمد المديوني ورضا مامي وآدم فتحي وكاتب هذه السطور، تظاهرات فنية حضرت فيها الفنون التشكيلية، والصور المتحركة والأفلام السينمائية، والمسرحيات، والمقطوعات الموسيقية المستوحاة من “دون كيخوتي”.

وكان ميغيل دي ثيربانتس الذي عاش حروب القراصنة في البحر المتوسط قد أمضى خمسة أعوام أسيرا في الجزائر، قبل أن يشرع في تأليف “دون كيخوتي” التي ستكون من ضمن الأعمال الكلاسيكية العظيمة في تاريخ الآداب العالمية مثل “الأوديسة” و”الإلياذة” لليوناني هوميروس و”الكوميديا الإلهية” للإيطالي دانتي وتراجيديات شكسبير و”ألف ليلة وليلة”.

 والآثار الكلاسيكية كما يعرفها خورخي لويس بورخيس هي تلك التي “تقرر أمم وقرون قراءتها كما لو أن كل ما في صفحة من صفحاتها مقصود، متعمد، ومقدر، وعميق مثل الكون، وجدير بتفاسير وتأويلات مختلفة ومتنوعة”.

وقد اعتبر جل المتدخلين في الندوة “دون كيخوتي” عملا روائيا “واقعيا”. لكن واقعية ثيربانتس كانت مختلفة عن واقعية كتّاب القرن التاسع عشر أمثال بالزاك وستاندال وإميل زولا. بل لعلها كانت قريبة من واقعية جوزيف كونراد الذي كان يقول إنه يسعى دائما إلى تجنّب كلّ ما هو غرائبي في أعماله لأن الغرائبي يلغي ما يتصف به الواقع اليومي من غرائبية. ومثل كونراد، عمل هنري جيمس على أن يكون الواقع اليومي “شعريا”.

ميغيل دي ثيربانتس ابتكر شعرية إسبانيا في القرن الـ19، رغم أنه لا إسبانيا ولا القرن المذكور كانا شعريين
ميغيل دي ثيربانتس ابتكر شعرية إسبانيا في القرن الـ19، رغم أنه لا إسبانيا ولا القرن المذكور كانا شعريين

وخلافا لكتّاب الفروسية في عصره، وقبل عصره، الذين اختاروا أن يكون أبطالهم شخصيات “خارقة” تتميز بخصال نادرة، وبمهارات عالية في الحرب، وبقوة عجيبة تجعلهم قادرين على قهر أعدائهم بسهولة، فضّل ثيربانتس أن يكون بطله إنسانا عاديا، يتوهم أنه فارس عملاق. والفضاءات التي يعيش ويتحرك فيها هي في الحقيقة دروب مغبرة، وخانات بائسة ووسخة، وقرى تتثاءب من فرط الضجر. لذلك يمكن القول إن الكاتب ابتكر شعرية إسبانيا في القرن السابع عشر، رغم أنه لا إسبانيا ولا القرن المذكور كانا شعريين.

وفي عمله هو سعى إلى أن يمزج بين الذاتي والموضوعي، وعالم القارئ بعالم الكتاب. لذلك يعتقد بورخيس أن عمل “دون كيخوتي” مثل “ألف ليلة وليلة” و”هاملت” لشكسبير يسمح للقارئ بأن يتخيّل أنه شخصية من شخصيات هذه الأعمال.

وفي مداخلته اعتبر الشاعر التونسي المنصف الوهايبي أن “دون كيخوتي” يمكن أن تنضوي تحت جنس الرواية الذاتية حيث يلتبس الواقع بالتاريخ والسيرة والرحلة أو السفر. وهذا يؤدّي حسب رأيه إلى أن يكون ثيربانتس قد استفاد من حياته الشخصية كمحارب وكمغامر لكي يبدع أثره الذي أنهى به أوهام عصور الفروسية.

 ولم يكن بورخيس ينفي عن “دون كيخوتي” الجانب الذاتي في حياة مؤلفه. بل إنه كان يرى أن العنوان يمكن أن يكون مضللا، إذ أن دون كيخوتي يمكن أن يكون ثيربانتس نفسه الذي تأثّر بكتب الفروسية الرائجة في عصره، وحلم في يوم من الأيام بأن يكون الفارس التائه في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وفي مداخلته اهتم واسيني الأعرج بما سمّاه بـ”فعل السخرية” في “دون كيخوتي”. وهو يعني بهذا الفعل الانتقال نحو لغة غير حيادية، نقف معها ونحن على أرض رجراجة. ثم إن دون كيخوتي يمضي سنوات طويلة في محاربة طواحين الريح معتقدا أنها فرسان، وفي النهاية يقر بهزيمته المرة وهو على فراش الموت. ويقول واسيني الأعرج إن السخرية في أثر سارفانتس تحوّلت إلى سلاح فتاّك ضد الطغاة وضد سدنة الإطلاقيات الدينية والاجتماعية.

ومستندا إلى البعض من النظريات النقدية الحديثة، اعتبر الدكتور محمد القاضي أن “دون كيخوتي” قد تكون من جنس الرواية ضد الرواية من خلال محاكاة ساخرة وتخييلية للمثل الأعلى للفروسية ولأخلاق القرون الوسطى. ومن الناحية التاريخية، يعتقد القاضي أن “دون كيخوتي” تستعيد بطريقة هزلية، جانبا من جوانب البطولة المفخمة التي بالغت في الاحتفاء بها روايات القرون الوسطى حيث اختار ثيربانتس أن يبتكر بطلا مقلوبا يثير الضحك والإشفاق أكثر مما يثير الرهبة والإعجاب.

وفي مداخلته التي ركّز فيها على التلقي العربي لـ”دون كيخوتي”، سعى المغربي الدكتور محمد الداهي إلى استكناه الإرث الثقافي المشترك الذي يجمع العرب بجيرانهم الإسبان، مقدما نماذج من الأعمال العربية في مجال الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح التي نجد فيها ملامح من تأثيرات رائعة ثيربانتس. كما تطرّق الداهي في مداخلته إلى القراءات النقدية العربية لـ”دون كيخوتي” مثل تلك التي طرحها الدكتور عبدالرحمن بدوي وعبدالعزيز الأهواني وعبدالكبير الخطيبي وسعيد يقطين، وآخرون.

وفي النهاية أشار إلى أن رواية “دون كيخوتي” تمثّل بالنسبة إلى المغاربة، وخاصة للمنطقة المتاخمة لإسبانيا، رمزا حضاريا وثقافيا ينبغي الاحتفاء بها ومنحها المنزلة التي تستحقها حتى وإن كان صاحبها قد حارب المسلمين بسيفه وقلمه انتقاما مما لحقه من إذلال وأذى ظلا راسخين في ذاكرته ومخيلته.

14