أدباء وشعراء في أروقة الصحافة: تراجع الحساسية لحساب الذائقة

اضطر أدباء وشعراء وروائيون إلى العمل في الصحافة اليومية لأسباب متعددة، إلا أن هذا العمل لم يخلُ من الانعكاسات السلبية، إذ لم ينجح أولئك الأدباء في أن يكونوا صحافيين محترفين، الأمر الذي خلق ارتباكا في وظيفة الصحافة الأساسية المتمثلة في متابعة الأخبار وتقصي الوصول إلى ما خفي من الوقائع.
الأربعاء 2017/04/26
الإبداع لا يمكنه الالتزام بالوقت

لندن - تثير العلاقة بين الأدباء وعالم الصحافة فضولا للمتابعين والمهتمين، الذين يدركون أن ما يمكن أن يكون ممتعا للقارئ، قد يكون غير مرض للأديب الذي اضطر للتحوّل إلى الصحافة لأسباب بعيدة عن القناعة والرغبة الشخصية بالدخول في متاهات مهنة المتاعب.

ويعتبر الخيار الأكثر مقاربة للواقع أن الأديب يلجأ إلى عالم الصحافة للاستفادة من سهولة الوصول إلى الجمهور والتواصل معه، إلا أنه يجد نفسه أمام معضلة “الانزلاق” إلى لغة صحافية تغلب عليها البساطة والسلاسة، وعدم التكلف في اسـتعراض “العضلات اللغوية”، مما يجرّه بعيدا عن شغفه الأصلي “عالم الأدب”.

بدورها واجهت الصحافة مشكلة في التعامل مع أدباء اخترقوا أروقتها، ومارسوا العمل الصحافي بطريقة الأديب والكاتب، الأمر الذي جعلهم يهملون الحساسية الصحافية، وتضخم الأمر إلى حد لغاء المسافة بين الصحافي والكاتب حد الالتباس، وبعدها تحوّلت الصحافة إلى فضاء مفتوح أمام الجمهور وظهر المواطن الصحافي، ولم يعد ثمّة مسافة بين الصحافي والمتطفل على الصحافة.

ورغم ذلك، تبقى طريقة معالجة الموضوعات هي الفرق الجوهري بين الصحافي والأديب، إذ لا يصدر الأديب معالجات للقضية عبر روايته على لسان أبطالها، والتي تتشكل في بعـض الأحيان لترسم رمزا، يلـمح من خلاله الأديب إلى مغزى يرمي إليه، ويحرّض القارئ على إعمال الذهن والتنقيب عن الحلول، بعكس الصحافي، الذي يطرح المشكلات بشكل مباشر ويناقشها ويضع مقترحات حلول لرؤيته.

وسبق للروائي الإماراتي علي أبوالريش، أن تطرق إلى هذا الموضوع، وقال إن الصحافة مهنة مشاغبة، ودائما تتعارض مع مباغتة الإبداع، والذين يعملون فـي الصحافة يواجهون يوميا من يحاول أن يجهض عملياتهم الإبداعية، ويقمع أصواتهم ويطفئ لهيبها.

ويرى أبوالريش أن الصحافة هي مهنة المتاعب بالنسبة إلى الصحافي غير المبدع، فالصحافة مهنة العمل اليومي والحدث المتلاحق.

أما الإبداع فهو مسألة يبرز فيها البعد الإنساني والنظر إلى ما أبعد عن سطح الأرض، إلى عوالم أخرى مغلفة بالسحر والمشاعر المتدفقة.

وفي ظل اضطرار الأدباء، من شعراء وروائيين ونقاد أدب إلى العمل في الصحافة اليومية تأمينا للقمة العيش كان من البديهي أن يضطرب مفهوما الصحافي والصحافة على حد سواء انطلاقا من الارتباك الذي أصاب وظيفتهما الأساسية التي يمكن اختزالها في متابعة الأخبار وتقصّي الوصول إلى ما خفي من الوقائع بحثا عن الحقيقة وهي الوظيفة التي اخترعت من أجلها الصحافة.

غير أن النتائج التي لاحظها المتخصصون، تؤكد أن أولئك الأدباء لم ينجحوا في أن يكونوا صحافيين محترفين، لا لشيء إلا لأنهم لا يرغبون في أن يكونوا كذلك، أو لشعورهم بأن الانغماس في العمل الصحافي والاستجابة لشروطه سيؤثران سلبا على مواهبهم الإبداعية في مجال اختصاصهم الأدبي، بالرغم من أن بعضهم احتل مناصب رفيعة ومتقدمة في عالم الصحافة، كما هو حال الشاعر الراحل أنسي الحاج الذي احتل لزمن طويل منصب رئيس تحرير صحيفة النهار البيروتية.

الصحافة واجهت مشكلة في التعامل مع أدباء وشعراء اخترقوا أروقتها ومارسوا العمل الصحافي بطريقة الأديب

وانعكس إخفاق الأديب غير المقصود لذاته، سلبا على الصحافة بشكل بديهي، من خلال تراجعها عن أداء وظيفتها الأصلية بالطريقة التي تجعلها منسجمة مع وجودها الخدمي، اجتماعيا وسياسيا وثقافيا. إذ أن الصحف العربية التي ظلت مخلصة لمهنة البحث عن المتاعب ظلت نادرة من جهة الإصرار على الكشف عن الحقائق وإماطة اللثام عن الأسرار. وهو ما أدى بالضرورة إلى تهميش الصحافة في مجال الدور الطليعي والريادي في الكشف عن مواقع الخطأ وأسباب الأزمات التي يعاني منها المجتمع.

وفي مثال الصحف العربية فهي في أفضل حالاتها، إذ كانت تنجح في أداء دورها في تسلية القارئ من أجل أن يملأ أوقات فراغه في مطالعتها. الأمر الذي جعل بعض الصحف والمجلات تميل إلى البساطة والسطحية وتبسيط المعلومات. فكانت النتيجة صحافة سهلة لقارئ سهل.

وتتجنب الصحف البريطانية والأميركية، عادة تعيين أدباء وشعراء وقصاصين، محررين في الصفحات الثقافية لأنهم يفتقرون إلى الموضوعية ويتجاوزون الحساسية الصحافية لحساب ذائقتهم الأدبية.

وهذا ما لم تتداركه الصحف العربية التي استعانت ببعض الأدباء في إدارة عدد من أقسامها وبالأخص ما يتعلق بالثقافة بكل فروعها، وهو ما دفع بها إلى أن تكون منحازة إلى نمط بعينه من التفكير. ذلك النمط الذي يؤمن به مسؤول الصفحة من غير السماح لأنماط التفكير الأخرى بالظهور.

وتسببت تلك الانحيازات الضيقة في جعل الصحافة تنشر موضوعات لا صلة لها باهتمامات القراء وثقافتهم وطبيعة المشكلات التي يودون لو أنها طُرحت علنا من خلال مرايا الصحافة المتعددة.

غالبا ما كان الصوت الأدبي في الصحافة العربية أعلى من الصوت الصحافي وهو ما أدى إلى انحسار المهنة وقلة عدد الصحافيين الملتزمين بأصولها. فبغض النظر عن عدد السنوات التي يقضيها الأديب في العمل الصحافي فإنه لا يفضل أن يُشار إليه باعتباره صحافيا.

ويبدو الأديب عازفا عن القبول بالربط المباشر بينه وبين الصحافة، كما لو أنه يشعر بأن قيمة الصحافي أقل شأنا من القيمة التي يمكن أن يحوز عليها من خلال إصراره على البقاء في موقعه، من غير أن ينخرط في قضايا قد لا تنفعه أدبيا، إلا أن هذه الرؤية تعتبر قاصرة بعض الشيء، فهناك عدد من كبار أدباء العالم قد عملوا صحافيين ومراسلين محترفين مثل إرنست همنغواي الذي لم يؤثر عمله الصحافي على مستواه الأدبي بل خدمه.

كما أن عددا من الأدباء لجأوا إلى التقارير الصحافية لتكون مصدرا لاستلهام أحداث رواياتهم، حيث اعتمدت رائعة فلوبير “مدام بوفاري” على خبر منشور في إحدى الصحف.

18