أدبنا الروائي والرقابة

الخميس 2016/04/14

كثيرا ما نعيب على المنجز الروائي العربي قصوره عن بلوغ مصاف الروايات العالمية الكبرى، وننسى البيئة التي ينشأ فيها، وهي بيئة محكومة بمحظورات ثقافية راسخة في المخيال الجمعي، قد تلين وقد تشتدّ بحسب الظروف والمراحل والأنظمة السياسية المتعاقبة، فما يُسمح به في بلد لا يسمح به في غيره، وما يُغضّ عنه الطرف في مرحلة لا يُقبل به في مرحلة لاحقة، بل إن الذين يغنمون بعض انفتاح في فترة ما قد يحاسبون على "مروقهم" بمفعول رجعيّ، كما حدث لنجيب محفوظ في الثمانينات عن روايته "أولاد حارتنا" الصادرة في مطلع الخمسينات.

وخلافا لما يجري في البلدان المتقدمة، حيث للمبدع مطلق الحرية في الخوض في شتى المسائل، وحتى التعرض إبداعيا لسير الأفراد، كبارا وصغارا، لا يطارده مُطارد ولا يصادر مؤلَّفه مُصادر، وليس للمتضرر أو المستاء إلا الاحتكام إلى القضاء، يجد الروائي العربي نفسه في مواجهة سلطات لها أكثر من وجه، كلها يمكن أن تحاسبه حسابا عسيرا عن عبارة أو جملة أو فكرة، إذا بدا لها أنه جاوز في تقديرها الخطوط الحمر. ما يجعله يزن كل كلمة يخطّها، فيرهن إبداعه لعَين رقيب ظاهر أو باطن، يبدأ بالأسرة والمجتمع ويمتد إلى السلطة الرسمية، التي تبيح لنفسها السهر على الأمن والاستقرار والمعتقدات وصيانة عقول المواطنين، وعلى الأخلاق الحميدة في الأول والآخر.

ومن ثَمّ، فإبداعنا، إلا ما ندر، خاضع للرقابة، لا يستثنى منه حتى الذي يزعم أصحابه التمرد على الأوضاع السائدة والأنظمة القائمة، إذ توجد دوما حواجز يتهيّبون تخطيها، ولو من تلقاء ذواتهم.

قد يبدو الجهاز اللغوي لحظة إنتاجه مَصوغا وفق آليّات خاضعة لقواعد اللّغة وضوابطها وروابطها ونواسخها، إلّا أنّه في عمومه محكوم بآليات أخرى تحيل على الرّقابة والمحظورات، مرهون بمعايير تعدّل من طبيعته، وتحدّ من عبارته. فلا يكاد النص يفلت من سلطة الرّقابة بجميع أصنافها، بدءًا بالرّقابة الذّاتيّة، الواعية واللّاواعية، وصولا إلى ما يُوضع أمام مُنشِئه من عقبات تفرضها العوامل الأخلاقيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة والدّينيّة والسّياسيّة والقانونيّة.

صحيح أن بعض الكتاب، أمام ما قد يجرّه عليهم خرق المحظورات من مصادرة، وملاحقة تصل أحيانا إلى التعنيف والتكفير كما شهدنا أيام حكم الإخوان، لجؤوا إلى ما يسميه جبرا "المورابة" أي التعبير المستور، وما يكتنفه من أقنعة ورموز، لتحقيق المعادلة المنشودة بين الرقابة والحرية التي تقتضيها الكتابة، ولكنهم يظلون في قرارة أنفسهم خائفين، والخائف كما يقول جورج أورويل لا ينتج أدبا عظيما.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15