أدب أناس القوارب

الاثنين 2016/10/03

يسعى الأدب إلى استلهام الوقائع والتواريخ والأحداث المستجدّة، وتراه يواكب الجديد الذي تضخّه الحياة ويجتهد في إعادة صياغته بطريقة أدبيّة فنّيّة للدفع إلى الاعتبار، أو لاستقاء الدروس المحتملة والممكنة منها.

أيّ تجربة واقعيّة يمرّ بها المرء أو أي مغامرة يخوضها في رحلته الحياتيّة تكون مرشّحة للتحوّل إلى تجربة أدبيّة أو فنّيّة، ومعرّضة للتناول الفنّيّ لها، بحيث تكون مادّة خاما يتمّ البناء عليها وبلورتها لتوصل رسائل أصحابها إلى الآخرين، أو لتنقل لهم جزءا من المعاناة التي عانوها أثناء خوضهم مغامراتهم، عساها تدفع إلى تشكيل رأي ينتصر لقضيّتهم التي يدافعون عنها.

مغامرات خوض البحار واللجوء من أماكن الحروب والنزاعات إلى أماكن مجاورة في البعض من الدول والمشقّات التي يتحمّلها المغامرون في رحلات الموت تكون حجر الأساس لعدد من الأعمال الأدبيّة، منها مثلا رواية “رو” للكندية الفيتنامية كيم ثوي التي كتبت فيها جزءا من سيرتها وهروبها من بلدها مع أسرتها واضطرارهم إلى ركوب قارب بائس للوصول إلى مخيّم في ماليزيا، قبل الانتقال إلى كندا. وكذلك كتاب “هاربون إلى الموت” للألماني فولفانج باور، ورواية “صلاة لأجل المفقودات” للمكسيكية جنيفر كليمنت.

تصف ثوي أولئك الناس الذين استقلّوا القوارب بأناس القوارب، وهؤلاء باتوا مشهدا عالميا متكررا في الشرق والغرب، وتراها تتذكر كيف كان المصباح الكهربائي الصغير المعلق في طرف سلك مثبت بمسمار صدئ يبث ضوءا داخل جوف القارب، وفي قاع ذاك القارب، لم يكن يتمّ تمييز النهار عن الليل. تقول إن الجنة والنار اشتبكتا في بطن قاربهم. كانت الجنة تعدهم بتحوّل في حياتهم، تعدهم بمستقبل جديد، بحكاية جديدة، وكان الجحيم ينشر مخاوفهم كلما يحيط بهم.

أناس القوارب هم أبطال كتاب “هاربون من الموت” للألماني فولفانج باور الذي خاض مع شخصيات عمله الحقيقية، وأغلبها من السوريّين الهاربين من الحرب، رحلة الموت من شواطئ مصر وذاق معهم الويلات، ووثق التفاصيل في كتابه التقريري التسجيلي، وكأنه بصدد تقديم وثائق تدين عصابات الاتجار بالبشر وتطلق نداء استغاثة دوليا، لكن من دون أن يحقّق النداء أيّ أثر ملموس في مياه البحر.

وكانت المكسيكية جنيفر كليمنت صورت في روايتها “صلاة لأجل المفقودات” مشاهد من محاولات خوض مياه تفصل بين المكسيك والولايات المتحدة، وكيف أنّ تلك المياه تحوّلت إلى مقبرة للكثير من الشباب المكسيكيين الساعين إلى الجهة الأخرى من الحدود، وتحوّلوا إلى قتلى المياه التي التهمتهم بدورها.

ما يلوح في الأفق يشير إلى أنّ أدب أناس القوارب ربّما سيشهد انتعاشا في السنوات القليلة القادمة، لأنّ هناك أعدادا كبيرة خاضت غمار تجارب رهيبة لا بدّ أن تجد طريقا للتظهير بصيغة أو بأخرى، لتكون مغامرة الكتابة والتأليف هي اللاحقة على مغامرة ركوب الأمواج والموثّقة للبعض من ملابساتها وتفاصيلها.

كاتب من سوريا

15