أدب الأطفال بين الصراحة واللامباشرة

السبت 2015/09/05

يرغب الطفل في أن يتوافر الأدب الموجه إليه، أو المكتوب من أجله، على سمات تُميِّزه عن الأدب بمفهومه الشَّامل، غير أنّها تبقيه في صُلبه، مُتميِّزا في إطاره وغير مفارقٍ جَوهره، في آن معا. وتتلخّص أبرز هذه السّمات في اثنتين هما “الصَّراحة” و“اللَّا مباشرة”.

ولا تتناقض سِمة “الصَّراحة” مع سِمةِ “اللامباشرة”، وإنما تعزّزها؛ فلعلَّ المباشرة أنْ تكون غير صريحةٍ، ومخادعةٍ، ولكنَّ اللا مباشرة لا تستطيع إلا أنْ تكون صريحةً، لأنها تقوم على بنية علاقاتٍ بين الشَّخصيات والأحداث لا تستطيع أنْ تبقى متماسكةً، ودالةً، إلاَّ إذا توافرت على منطقية وانسجام، وعلى نوعٍ من الالتحام البنائيّ يجعل المفاهيم والكائنات الحية التي يتكون منها العمل الموجه للطفل تؤلف كلّيات يمْكن فهم أجزائها في ضوء العلاقات القائمة بينها، وبخاصة انطلاقا من بنية الكل.

يرفض الأطفال الكلام الخالي من المضامين، ويرفضون المباشرة في إرسال القول، ولا سيما ذلك النَّوع من المباشرة الجافة التي تقوم على نزعة تعليمية، وهم يرفضون النـزعة التعليمية التي لا تَمَسّ إلا سطحَ الأشياء، فتقَدّم القول منـزوعا عن علاقاته، والنتيجة منفصلةً عن أسبابها، كما أنهم يرفضون المبالغة القائمة على التَّزييف، لأنَّ في ذلك إرهاقا لهم، واستخفافا بعقولهم، وبملكاتهم التخيلية؛ إنهم يخرجون من المدرسة مثقَلِين بالوعظ والإرشاد، وبالنُّصح والتهديد القائمين على تلقين قواعد السُّلوك ومعايير نظام الأخلاق ومكوناته جميعا، ولذا يرغبون عن المزيد من الإرهاق، بل يرغبون عن التعقيد، وينكرون على الكبار نظرتهم إلى عالم الطفولة بوصفه عالما ساذجا فقير المعرفة، كما يستنكرون توجُّه هؤلاء الكبار نحو تقديم الطَّعام المعرفي لأطفالهم على أطباق التَّلقين الآمر، والمباشرة الفجَّة، والوعظ الجاف.

يوضّح ما سبق أنَّ لأدب الأطفال سماته الخاصة، وأنَّ هذه السِّمات تزداد حدّة ووضوحا كلما قلَّ سنُّ الطِّفل، أو الطِّفلة، اللذين نتوجَّهُ إليهما بكتابتنا، وتخفّ حدّتها، تدريجيا، بالمقدار الذي نحدّد فيه، صعودا، سنَّ القارئ الذي نتوجَّه إليه.

ولا تقتصر هذه السِّمات على المضامين أو على طرائق تقديمها، وإنما تبدأ من الفكرة، وتمرّ باللَّفظة والمفردة والجملة والعبارة والتركيب اللُّغوي والأسلوبي، وهي تشمل جميع البنى الجزئية والكلّية للعمل الإبداعي؛ وهذا يدلّل على أهمية النَّظر إلى أدب الأطفال بوصفه فرعا أدبيا له خصوصيته داخل الإطار العام للأدب؛ فإنْ نحنُ نظرنا إلى هذا النَّشاط الإنساني بوصفه رسالة تحمل إشاراتٍ ذات دلالات يبعثُ بها مُرْسِل إلى مُتَلَقٍ، فإنَّ هذه النَّظرة تمكِّننا من تحديد خصوصية العديد من حقول هذا النَّشاط الشَّاسع، وتؤهلنا للعمل على تطوير منجزات كلِّ حقل من هذه الحُقُول، والسَّعي للارتقاء بها عبر فهم “التَّمايز” الذي يَسِمُ كلاًّ منها، وإدراك القانون الدَّاخلي الخاص الذي يحكم نموَّه وإيقاع تطوُّره في سياق علاقته التَّفاعلية مع حقول أخرى.

واستنادا إلى ذلك، فإنَّ تعميق النّظرة إلى أدب الأطفال بوصفه فرعا أدبيا خاصا ومميزا، له ما يصله بالأدب بمعناه الواسع، وما يميزه عنه، في آن معا، سيمكّننا من إدراك السِّمات المميزة لهذا الفرع الأدبي على مستوى المضمون، واللغة، والنَّحو، والأسلوب، والبناء، وعلى الصَّعيدين الفكري والجمالي على حدّ سواء؛ وهذا، بدوره، سيمكّننا من تطوير إبداعاتنا في حقل هذا النّشاط الأدبي المميز، ومن التّعامل مع الطفل، وعالمه، بدراية وعمقٍ ليس من الحكمة الاستغناء عنهما.

وليس من شك، هنا، في أنَّ التّوفّر النّسبي للتّجارب الإبداعيّة في مجال أدب الأطفال العرب، على امتداد سنينه القصيرة نسبيا، ولا سيما في حُقُول القِصَّة القصيرة، والقصَّة القصيرة جدا، والشّعر، والأغنية، هو أمر يؤهلنا لطرح السّؤال المتجدّد الذي نسعى للعثور على إجابة مؤصّلة، ومجدّدة، عنه: كيف نكتب للأطفال؟

شاعر من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16