أدب الإرغام

لسائل أن يسأل ما وجه الإفادة والمتعة في "نصوص" لا تنبع من معاناة، ولا تنقل تجربة في الحياة بحلوها ومرّها، يكتفي فيها أصحابها بالتلاعب والتنافس حدّ العبث.
الخميس 2019/03/21
"للبيع: حذاءُ رضيع، لم يُلبَس قَطّ" نص كان يعتبره هيمنغواي من أفضل ما ألّف من حكايات

الشرط في الإبداع أن يكون خَلْقا خالصًا، لا يَخضع لشروط مسبقة يُلزِم بها الكاتبُ نفسَه، أو يُلزمه بها غيرُه. قد يكون النصّ المَصوغ تلبيةً لرهان ذاتي يروم الكاتب من ورائه إثباتَ امتلاكِه أعنّةَ البيان، كقول مسلم بن الوليد “سُلَّتْ فَسُلَّتْ ثُمَّ سُلَّ سَلِيلُهَا / فَأَتَى سَلِيلُ سَلِيلِهَا مَسْلُولا”؛ أو قول إسماعيل بن أبي بكر المقري في القصيدة الرجبية التي تُقرأ مدحًا من اليمين وهجاءً من اليسار “حَلُموا فما ساءَت لهم شِيَم/ سمَحوا فما شحّت لهم مِننُ”؛ أو البيت الذي أورده الجاحظ في بيانه وردّدته كتب البلاغة القديمة “وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرٍ/ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ”، فقد جمع فيه قائله بين تنافر الكلمات، وضعف التأليف، وتعقيد المعنى.

ولم يسلم من ظاهرة إرغام القلم حتى الكتّاب المعاصرون، كالفرنسي ريمون كينو، الذي نشر كتاب “تمرين على الأسلوب” روى فيه حكاية موجزة بأساليب متنوعة تقارب المائة. بل إن الستّينات شهدت ما عرف بالـ”أوليبو” Oulipo  اختصارا لـ”ورشة أدب كامن”، وكانت حقلا شاسعا لتجارب فرض خلالها بعض الكتّاب على أنفسهم قواعد مسبقة، كالليبوغرام، أي عدم استعمال حرف معين، أو البالَنْدروم، أي كتابة نصٍّ يُقرأ طردًا وعكسًا.

وقبلها، أي في مطلع العشرينات، راهن بعضُ الكتّابِ إرنست هيمنغواي على كتابة “رواية” من ستّة ألفاظ، فكتب “النص” التالي، الذي لا يزال يحفظه المهتمون بهذا النوع من الأدب “للبيع: حذاءُ رضيع، لم يُلبَس قَطّ”. وقيل إن هيمنغواي كان يعتبره من أفضل ما ألّف من حكايات، لكونه يفتح خيال القارئ على شتى الاحتمالات.

وقد استهوت هذه الممارسة كتّابا كُثرا، حتى صارت ظاهرة انتشرت خاصة في أميركا اللاتينية مع أعلام كالغواتيمالي أوغستو مونتيرّوسو، والمكسيكي إدموندو فلاديس مندوسا، والأرجنتينية كلارا أوبليغادو، وسواهم. وإذا كان المكسيكي لويس فيليبي لوميلي قد حطّم رقم هيمنغواي عام 2005 بتأليف نص من أربع كلمات عنوانه “المهاجر”: “نسيتَ شيئا؟ أرجو ذلك!”، ثم حطّمه الإسباني خوان بدرو أباريثيو بـ”نص من عبارة واحدة ” عنوانه “لويس الرابع عشر”: “أنا”، فإن الغلبة آلت إلى المكسيكي غييرمو سامبيريو بنص عنوانه “الشبح” لا يحوي أيّ كلمة.

ولسائل أن يسأل ما وجه الإفادة والمتعة في “نصوص” لا تنبع من معاناة، ولا تنقل تجربة في الحياة بحلوها ومرّها، يكتفي فيها أصحابها بالتلاعب والتنافس حدّ العبث، ويرغمون أنفسهم على صيغ تثير الدهشة، وما هي في النهاية سوى كلمات لم تبرأ من التكلّف، ولم تسلم من التصنّع. وهذا مُنافٍ للإبداع.

15