أدب الاعتراف ومسوغات الغياب

الترجمة الذاتية، ليس هي تلك التي يكتبها صاحبها على شكل “مذكرات” ويعنى فيها بتصوير الأحداث التاريخية، أكثر من عنايته بتصوير واقعه الذاتي.
الأحد 2019/02/17
"أدب الاعتراف" يقوم على البوح والإفصاح والمكاشفة (لوحة محمد ظاظا)

البحث في هذا المضمار دائما يكون بمحاكاة الغرب كمركز، مقابل أطراف تتم مقارنتها بسلوك مركز ثقافي حداثي، وهذه المحاكاة فيها الكثير من التجني على الثقافة العربيّة؛ لأن الغرب ذاته ليس واحدا في هذا الجانب، فالثقافة الغربية التي عرفت بهذا أكثر من غيرها خصوصا في ألمانيا وفرنسا، إذ ثمّة اختلافات ثقافيّة واجتماعيّة واضحة المعالم حتى في الثقافة الغربيّة.

كيف إذن نحاكي الثقافة العربيّة بالثقافة الفرنسيّة، فهناك تباين في الكثير من الجوانب، والمحاكاة أساسا مرفوضة، وما يبقى سوى المقارنة والتوصيف لما هو قائم وتعليله. الأمر الآخر أن هناك في الثقافة العربيّة تداخلا وخلطا في بعض الأحيان بين مفهوم السيرة الذاتيّة وما يسمى بـ”أدب الاعتراف”، حيث كانت السيرة الذاتيّة هي تأريخ لحياة الإنسان، خصوصا هؤلاء الذين لهم أدوار مؤثرة في المجتمع ويجد الناس متعة في معرفة بداياتهم ومشوار حياتهم، بوصفهم أنموذجا للنجاح والتأثير المعنوي.

ويذهب بعض النقاد إلى أن الترجمة الذاتية بالمفهوم الحديث لم يكن لها وجود في الأدب الغربي قبل عام 1600. ثم ظهرت بعد ذلك التاريخ الواحدة تلو الأخرى، في فترات طويلة إلى أن كانت سنة 1800، حيث أخذ الكتاب يتوخون ما يشبه السنن الأدبية في كتابتها، دون أن يبلغوا مبلغ الطريق الجديدة التي يمكن أن يقال معها إنهم اصطنعوا جنسا جديدا من الأجناس الأدبية. (الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث: يحيى إبراهيم عبدالدايم، ص12).

لكن الترجمة الذاتية، ليس هي تلك التي يكتبها صاحبها على شكل “مذكرات” ويعنى فيها بتصوير الأحداث التاريخية، أكثر من عنايته بتصوير واقعه الذاتي.

وليست هي التي تكتب على صورة “ذكريات”، يعنى فيها صاحبها بتصوير البيئة والمجتمع والمشاهدات أكثر من عنايته بتصوير ذاته. وليست هي المكتوبة على شكل “يوميات”، تبدو فيها الأحداث على نحو منقطع غير رتيب، وليست في آخر الأمر “اعترافات” يخرج فيها صاحبها على نهج الاعتراف الصحيح.

وليست هي الرواية الفنية التي تعتمد في أحداثها ومواقفها على الحياة الخاصة لكاتبها، فكل هذه الأشكال فيها ملامح من الترجمة الذاتية، وليست هي؛ لأنها تفتقر إلى الكثير من الأسس التي تعتمد عليها الترجمة الذاتية الفنية. (يحيى إبراهيم عبدالدايم، الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث، ص3).

أما أدب الاعتراف وأعتقد أنه مفهوم حديث يتم توظيفه مع مفاهيم وأجناس الأدب الحداثي.أي كونه ارتبط بمفاهيم جاءت بها الحداثة وظهور مفهوم الفرد أو الذات المفكرة وما يتعلق بالتذاوت بين الذوات على صعيد الحوار والتواصل المعرفي والثقافي وما ارتبط بالتواصل الحديث مع ظهور سلطة الإعلام والمجتمع العمومي في الغرب.

وظهرت حالة من التواصل الثقافي سميت “بأدب الاعتراف” يقوم على البوح والإفصاح والمكاشفة من جانب الكاتب أو المبدع الذي يتصدّى له، وهذا النوع من الأدب يأتي في طليعة ومقدمة الأدب الغربي، إذ دوّنه أصحابه بصراحة مؤلمة وربما بنوع أقرب إلى تطهير النفس أو جلد الذات، فهكذا أدب ارتبط مع ممكنات الحداثة بظهور سلطة الإعلام والتواصل الحديثة ومعها ولد هذا الشكل الجديد من الأدب فهو ممكن التأصيل؛ إلا أن الإشكالية مختلفة عما هو موجود في التراث الغربي والتراث العربي فهناك أشكال متنوعة من آداب متنوعة تدخل في مجال ديني وإبداعي، إلا أني أجد أن هذا الأدب ارتبط بإشكاليّة معاصرة مع ظهور مفهوم حديث للمثقف أو المبدع يتمتع بخصوصيّة فرديّة واستقلال ما وهو مفهوم حديث لم يكن متوافرا قبل الحداثة وإن كانت هناك أسماء وتجارب قابلة للدراسة؛ إلا أن المفهوم حداثي بامتياز وهذه الفرضيّة هي التي انطلق منها لمقاربة الأمر. وتبيان خصوصيّة كل مجتمع وأفق الحريات وممكنات الإعلام أيضا وظهور الأجناس الحديثة من التعبير مثل الروايّة.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12