أدب الخيال العلمي مرآة التطلعات والمخاوف

روايات الخيال العلمي الحديثة تسعى إلى وضع الدول في حالة تطور مستمر، تغدو فيها شكلا من أشكال التنظيم الجماعي الممكنة.
الخميس 2020/04/02
ماذا بعد الكارثة

لئن كان قارئ روايات الخيال العلمي غالبا ما يكتشف سيناريوهات ديستوبية عن انهيار المجتمعات بفعل الإنسان، فإن الأعمال القيامية تفتح له بابا آخر يساعده على تصور عالم جديد.

تعتبر روايات الخيال العلمي مختبرا ثريا يختزن ممكنات استكشافية عديدة تفيد الفكر السياسي إلى حدّ بعيد، بعضها ديستوبي يحذر من مخاطر محتملة، تنتج عن سوء التصرف في الاختراعات العلمية وسوء التعامل مع الطبيعة ومكوناتها، قد تؤدي إلى فناء العالم؛ وبعضها الآخر يتطلع إلى المستقبل انطلاقا من معطيات الحاضر، فيستشرف إمكانات غدٍ أفضل، أو ينذر بشرور قادمة. وأيّا ما يكن اتجاهها فإن سيناريوهاتها المتنوعة ترجّ القناعات الفكرية الرتيبة.

أمام التقلبات المناخية وتفاقم التلوث واستشراء بعض الأوبئة الخطيرة، اكتست الروايات القيامية أهمية بالغة لدى القراء، فهم يقبلون عليها وكأنها دليل للنجاة بعد نهاية العالم، لاسيّما أن الباحثين وعلماء الاقتصاد ورجال السياسة يحذرون في دراساتهم وتحاليلهم وخطبهم من الانهيار المحتمل للحضارة الإنسانية، وفي الأقل تلك التي نعرفها. فالمخاطر التي نقرأ عنها في روايات الخيال العلمي منذ نصف قرن لم تعد خيالا صرفا، بعد أن تحقق منها الكثير، كالاحتباس الحراري والانقراض الجماعي ونفاد الموارد والاكتظاظ السكّاني وتزايد الأوبئة والجوائح، وقد مثلت جميعها سيناريوهات كوارث وشيكة، حتى أنه يمكن الحديث عن آلاف الصيغ لنهاية العالم.

في الأعوام الأخيرة استطاعت الروايات القيامية أن ترسّخ في المخيال الجمعي الفكرة القائلة إن نهاية العالم ستكون مرتبطة بالأنثوبوسين (أي العصر الجيولوجي الحالي الذي يتميز بعلامات ظاهرة عن أثر الإنسان في بيئته، لاسيّما المناخ والمحيط الحيوي) أكثر من أن تنجم عن إرادة إلهية أو غزو كائنات الكواكب البعيدة.

 في رواية “فونغوزيرو” مثلا، حاولت الروسية يانا فاغنر أن تتصور كيف يعيش الناجون من جائحة جرثومية، طبيعية أو ناجمة عن عمل إرهابي، أفنت العالم كله، واختارت الفايروس لأنه خير وسيلة لتدمير الأنظمة وبثّ الفوضى في المجتمعات. والغاية في رأيها هو التفكير من الآن في ما بعد الكارثة، وذلك في اعتقادها هو ما يشغل الناس اليوم. ولئن نجحت روايات وأعمال سينمائية وتلفزيونية كثيرة مثل  The walking day ـThe leftlovers,، The 100، فلأن المتلقين من قراء ومشاهدين صاروا مهيئين للحديث عما يلي نهاية العالم، وعن الطرق التي يمكن أن يواجه بها الناجون بقاءهم أحياء في عالم انهار، وفقد بانهياره معالمه وأنظمته ووسائل إنتاجه. فالخيال العلمي لا يتيح فقط التفكير في نهاية العالم، بل يتيح أيضا تخيل بدائل لنمط حياته الراهنة.

لرؤية توتاليتارية للمستقبل
رؤية توتاليتارية للمستقبل

قد توهم القراءة السريعة لروايات الخيال العلمي وأفلامه ومسلسلاته أن النظام السياسي فيها يدور حول قطبين: قطب سلطوي يشمل الدكتاتورية والشمولية والإمبريالية، وقطب قريب من الفوضى الاجتماعية الناجمة عن انهيار الدولة. ولئن كانت رواية جورج أورويل “1984” مثالا للرؤية التوتاليتارية للمستقبل، فإن الإمبراطورية في تجلياتها الكولونيالية هي شكل سياسي أو حضاري حاضر بكثافة في أعمال “أوبرا الفضاء” التي تدور أحداثها في زمن فضائي سرمديّ. أما عوالم ما بعد النهاية الكارثية فغالبا ما تركز على زوال الحضارة وعودة الهمجية، على غرار سلسلة أفلام “ماد ماكس” التي أنجزها جورج ميلر وحده، ثم استعان بجورج أوجيلفي.

في هذه العوالم تبدو الدول عرضة هي أيضا للزوال، زوالا يجد أصداءه الاجتماعية في مخاوف بعض الفئات وآمال تعلقها فئات أخرى، وكلتاهما تتطلع إلى من سيأتي بعدها. فهل ستخلف الدول بمفهومها الحالي قبائل أو عشائر أو جاليات كما في رواية “عصر الماس” للأميركي نيل ستيفنسون، وهي رواية يصور فيها نهاية تحلل الدول/ الأمم بسبب عجزها عن السيطرة على الوسائل الإعلامية والصفقات المالية، وتدهور منظومة جمع الضرائب، فنابت عنها تجمعات بشرية انتظمت في شكل فايلس (وهو اسم مشتق من اليونانية القديمة phyles) حيث أكثرها ثراء مجموعة الفيكتوريين الجدد، وقد اختارت أن تعود إلى القيم الإنجليزية في القرن التاسع عشر، أي تلك التي سادت في عهد الملكة فيكتوريا، وتتميز بخليط من الصرامة الأخلاقية والشراهة التقنية والعلمية.

هذه المجموعة التي يطلق عليها أيضا “أطلنطيس الجديدة”، حافظت على الشعوب التي خضعت سابقا للنفوذ البريطاني كالهنود والأفارقة. تقابلها مجموعة أخرى لا تقل عنها نفوذا هي مجموعة الصينيين هانس الذين تشبثوا بنصيب من القيم الكونفوشيوسية. ومبادئ تنظيم الفايلس لا تعني تخليهم عن الحدود الفضائية، بل إنهم عززوها عند الحاجة بحماية التكنولوجيات بالغة الدقة. وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت في المدن الكبرى جيوب تنتمي إلى هذه المجموعة أو تلك.

أي أن رؤية الكاتب للعالم الجديد تؤكد أن تطور التكنولوجيا ستكون له حتما آثار جيوسياسية، في شكل امتداد للتخلي عن المواقع الترابية، لأن تكنولوجيا المعلومات حررت الثقافات من ضرورة امتلاك أراض للتوسع، وصار الفرد قادرا أن يعيش في أي مكان. الروابط الهووية أيضا أعيد تشكيلها على نطاق واسع، وكذلك المبادلات التجارية التي باتت تخضع لـ”بروتوكول اقتصادي مشترك” وإن كان لا ينفي التفاوت. والخلاصة أن الكاتب تصور إعادة تنظيمِ مجمل العلاقات بين الفضاءات، مع المحافظة على أطر تاريخية قديمة.

على غرار هذه الرواية، تسعى روايات الخيال العلمي الحديثة إلى وضع الدول في حالة تطور مستمر، تغدو فيها شكلا من أشكال التنظيم الجماعي الممكنة. ووجه الإفادة فيها أنها تضع البنى الاجتماعية والسياسية في مسار تطور مستمر، لا تكون فيه الدول سوى لحظة من التاريخ وشكل من أشكال التنظيم السياسي. أي أنها تقترح، من خلال أنماط التنظيم القديمة وفرة من الشروط التي يمكن أن يُحكَم أو يُسيَّر بواسطتها البشر.

فالغاية كما قالت الكيبيكية إليزابيث فوناربورغ هي أن نفكّر في ما بعد الكارثة، وأن نعمل على تفادي تكرار ما كان، أي أن نتصور عالما يختلف عن عالمنا اليوم، حتى نتجنب أخطاءه، وننظر في الإشكاليات الإيكولوجية بخاصة، لنتطلع إلى عالم المستقبل من زاوية الخيال لا محالة، ولكن من زاوية استكشاف ممكنات واستشراف غد أفضل أيضا، ربما على أنقاض راهننا الرديء.

14