أدب الرحلات

الخميس 2016/10/13

لم يحظ أدب الرحلات بوصفه جنسا أدبيا مستقلا باهتمامات الأدباء العرب من شعراء وروائيين وقاصّين ومسرحيين إلا في ما ندر، وهذه الندرة أيضا ظلت محكومة بالمصادفات وأغلبها مصادفات سياحية أو رحلات وإقامات معينة تستدرج الكتابة على أنها مشاهدات وذكريات مكان، في حين كان العربي القديم يقطع مسافات شاسعة بوسائط نقل بسيطة ومعروفة، لمعايشة مكان وتدوين حالات اجتماعية وفكرية ودينية وتاريخية عنه، لهذا اكتسب خصوصية فريدة في التجربة باستكشافاته الجغرافية والتاريخية والمعرفية والسردية أيضا، فهو أدب حي موصول بالاكتشافات وتوثيقها في مدونات لها أهمية بالغة لا تزال قيد البحث واكتشاف أثرها كمرجعية ومدونة لها البقاء الأثير حتى هذا الوقت.

سبعة باحثين عرب نالوا مؤخراً جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة (2016)، ليشكلوا الدورة رقم 12 التي يقيمها “المركز العربي للأدب الجغرافي -أبوظبي-لندن” في مهمة متواصلة لاستقطاب المزيد ممن يكتبون في هذا الميدان بفروعه المتعددة وإحياء تراثي لسرديات عربية قديمة لم تأخذ مكانتها الطبيعية في السرد العربي عموما، بالرغم من ريادات وأسماء عربية حققت إنجازات فريدة لا يمكن إغفالها قطعا كابن بطوطة والإدريسي وابن فضلان وابن جبير والمقدسي والمسعودي والبيروني وأبي دلف والغرناطي وسواهم، وهذه الجائزة وما تكشف ندرجها في سياق الأحداث النادرة.

ابن جبير قام بثلاث رحلات شاهد فيها العالَم، والإدريسي رسم خرائط للأنهار والبحيرات، وابن بطوطة طاف مصر والشام والحجاز وفارس وتركستان وما وراء النهر والهند والصين وجاوة وبلاد التتار وأواسط أفريقيا، وابن فضلان وصل إلى روسيا وهو أول من كتب عنها، وأحمد بن ماجد لقب بأمير البحار، وابن حوقل أمضى ثلاثين عاما في التجوال في آسيا وأفريقيا.. والمسرد طويل في إنجازات الرحالة العرب الذين كانت لهم أسبقية الكشف والاكتشاف ورؤية العالم من زوايا مختلفة وشواهد نادرة في شتى ألوان الحياة.

بقي أدب الرحلات، وربما لا يزال، جنسا ضائعا في السرد العربي. لا ينتمي إلى الرواية ولا القص ولا الحكاية بقدر انتمائه إلى الوصف التاريخي أو الجغرافي للمكان وما يتفرع منه من معلومات محتملة أو مشاهدات عينية وربما سماعية، وقد تكون تدوينية في البعض من الحالات كالشواخص الأثرية ومتروكات السلف الأقدم من مخطوطات أو رسائل في المجتمعات التي تقع تحت مشاهدات الرحّالة؛ وكل هذه التفريعات هي حالات أرشيفية مهمة وضرورية لقياس العصر في اجتماعيته ودينيته وأسطوريته وخرافيته وعلومه وثقافته وفكره وفلسفته.

ليس مهما تجنيس أدب الرحلات إلا بقدر تسميته الشخصية، لكن الرحلات التي قرأناها وهي كثيرة تعطي انطباعات تجنيسية كثيرة تتوافق مع العصر الأدبي الحالي في حداثاته النقدية المتعددة، فالسرد الروائي يتوفر في أغلبية الرحلات العربية، وعناصر الجذب والمتعة لا تخلو منها أيّ رحلة إلى حدّ كبير، والسرد المعرفي والثقافي بعمومياته وتصنيفاته لا يمكن أن يخلو منه أي مسرد رحلاتي، ومعظم الرحلات توفرت على إفاضات وعناصر نقدية للسلوكيات الاجتماعية والدينية والعادات والتقاليد، إضافة إلى “الأشكال” المتعددة التي تركها لنا الرحالة العرب في كتاباتهم ومدوناتهم، التي لم تخضع بعد إلى بحوث ودراسات نقدية وبحثية لتصنيفها أو تسميتها أو معالجتها فنيا مما يمكن أن يغني ويضيف إلى السرد الروائي مما لم تألفه أشكال الرواية والقصة، كما حدث في استمكان “ألف ليلة وليلة” في سردها الإطاري المتداخل الذي استفاد منه الأدباء الغربيون كبورخس وماركيز أكثر مما استفاد منه العرب.

أدب الرحلات في هذا الإطار يحتاج إلى تشريح نقدي في حداثة الكتابة ومعالجاتها الدائبة لاقتفاء الآثار الإبداعية؛ فإن وفّر المركز العربي للأدب الجغرافي الأرضية الصحيحة لانطلاقة هذا الجنس الأدبي المهمل من قبل الأدباء، فإن الجهد البحثي والنقدي عليه تشريع “ضوابط” التجنيس لهذا السرد العربي المهمّ.

كاتب من العراق

14