أدب الرحلات التعاقب والخيال

قصة سيمكس المثيرة عن البلد الخيالي كرينك كيسمز ظهرت في العام 1807 وهي تعد الرواية الأوروبية الأولى التي تصف معاناة صبي ينجو من غرق سفينة ويعيش على جزيرة خياليَّة.
الثلاثاء 2018/03/13
قصة سيمكس سبقت رواية "روبنسون كروزو" لدانيال ديفو

يزخر أدب الرحلات في العالم بالتجارب المتداخلة والإحالات والتناص والاقتباس في الكثير من الأحيان. وإذا ما تجاوزنا النقطة الجوهرية الملتبسة الخاصة بالحدّ الفاصل بين الخيال والوقائع في ذلك الأدب، فإن التجارب المبكرة في مجال أدب الرحلات ستكشف لنا بطريقة محيّرة ذلك التعاقب أو التشابه أو حتى الانتحال بين الكثير من الروايات.

وضمن بحثي في أدب الرحلات الهولندي مؤخرًا، في مسعىً خاص لتسليط الضوء على مستشرقة ومغامرة هولندية مغمورة، وقع بين يديّ صدفة، كتاب مثير آخر عن رحلة خيالية لصبيّ ناجٍ من حادث غرق سفينة يصل إلى جزيرة خياليّة غير معروفة أو ليس لها وجود على الخرائط تدعى “كرينك كيسمز” حيث لا وجود للمعتقدات والأديان.

ظهرت الرواية على ما يبدو في العام 1708 وتوجد نسختها الأصلية الأولى في مكتبة جامعة لايدن الهولندية، وتصف الرحلة المضنية للسفينة إلى عدد من البلدان والجزر والأصقاع الخياليّة وعدد من الأحداث والوقائع التي لم يكن لها وجود إلّا في رأس الكاتب، وهي قصة سفر خياليَّة مبكرة جدًّا كتبها طبيب هولندي يدعى زول هندريك سميكس الذي اخترع بلادًا تدعى كرينك كيسمس، لتكون معادلًا خياليًا لأوروبا القرون الوسطى حيث التزمّت الديني وعدم المساواة واضطهاد الطبقات الفقيرة آنذاك.

في كيسمس يشعر المرء بالحريَّة والمساواة وتتمتع المرأة بحقوق متساوية مع الرجل، ولا وجود للأديان، بل ثمَّة أعراف متسامحة تنظم حيـاة البشر الذين لا يؤمنون بالسماء والجحيم، كردّ فعل مغال لادعاءات اللاهوتيين آنذاك الذين كانوا يروون قصصا خارقة ومخيفة عن الجحيم الذي ينتظر البشر وكيف سيعاقب الله شعبه، وكان من الصعب العثور على المثل الاجتماعية التي وصفها سميكس في القرن الثامن عشر، حين كان الدين والكنيسة طاغيان ومؤثران جدًّا والمساواة بين المرأة والرجل شيء من الطوباوية، ولعل هذه الحقيقة المرّة تحديدًا هي التي دفعته لتأليف قصته مبتكرا بواسطتها طريقة ما لانتقاد مجتمعه وفي الوقت نفسه تقديم الواقع البديل المتخيّل.

لقد ظهرت قصة سيمكس المثيرة عن البلد الخيالي كرينك كيسمز في العام 1807 كما ذكرت، وهي تعد في هذه الحال، الرواية الأوروبية الأولى التي تصف معاناة صبي ينجو من غرق سفينة ويعيش على جزيرة خياليَّة، وبهذا تكون قد سبقت رواية “روبنسون كروزو” الشهيرة للكاتب دانيال ديفو بأكثر من أحد عشر عاما، وتمكنت من تحقيق شعبية وانتشار واسعين في وقتها، لأنها كانت منـاسبة تمامًا لتوضيح أن العالم يمكن السيطرة عليه بواسطة الخيال ولتشكل نقطة انطلاق مضيئة بامتياز، كما يذكر البـاحث الهـولندي يـورغن در سخوتنغ.

وتُظهر كلا الروايتين الشخصية الرئيسة في نهاية المطاف على جزيرة مهجورة ـ متخيّلة ـ وتضطر إلى الاعتماد على نفسها لتثبت أنّ الإنسان قادر دومًا على بناء عالمه الخاص، إذا توفرت له الحريَّة بشكل مطلق، وبفضل الانضباط والتفاؤل والثقة في الله وليس في الكنيسة، كما تُظهر كلا الروايتين نجاة الشخصية ـ صبي في الحالتين ـ من غرق سفينة وتحطّمها في البحر، في وصف يتشابه كثيرًا.

ولعل الحكم على دانيال ديفو وعمله ذائع الصيت بالانتحال أو الاستناد والاستفادة من فكرة رواية هندريك سميكس، لم يكن منطقيًا أو محطّ شكوك، لولا أن الوقائع وسجلات الجمارك الهولندية أثبتت لاحقًا بأنّ دانيال ديفو كان قد عمل جاسوسًا تجاريًّا لصالح إنكلترا في هولندا قبل تأليفه قصته الشهيرة، وكان قد تعلّم الهولندية ولديه القدرة على قراءتها، كما أن المحققين الهولنديين قد عثروا لاحقًا على مخطوطات لكتب قواعد اللغة الهولندية في أدراج مكتبه.

14
مقالات ذات صلة