أدب الرحلة العربي حاضر في الذائقة متحول في الرواية

الأربعاء 2014/03/19
تضاءل الاهتمام بأدب الرحلة لغياب التشويق والمتعة

القاهرة - أسباب كثيرة ساهمت في تدنّي إقبال القراء على أدب الرحلات منها افتقاره إلى قدر من المتعة والتشويق أمام سيولة المعلومات المتصلة بالبلدان والرحلة عموما على الأنترنت وسهولة التنقل والمواصلات. إلا أن مؤسّسات ثقافية عربية عديدة تسعى الآن إلى إحياء هذا الأدب وتشجيع البحث فيه. «العرب» تحاول في هذا التحقيق رصد آراء بعض المثقفين في مسألة ضمور أدب الرحلة.

على مستوى المؤسسات الثقافية، أبدى عدد منها اهتماما بإحياء أدب الرحلات والمحافظة عليه من الاندثار، يأتي على رأسها المركز العربي للأدب الجغرافي في أبو ظبي الذي أسس لمشروع “ارتياد الآفاق” والذي يهدف من خلاله إلى تقديم كلاسيكيات أدب الرحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب ورحالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودونوا يومياتهم، واحتضان النصوص الحديثة في أدب الرحلة العربي، فضلا عن إثارة الاهتمام بهذا النوع من الأدب وتجديد الانشغال لدى المثقفين والعرب بموضوعات الأدب الجغرافي.

وتأتي جائزة “ابن بطوطة” التي يقدّمها المركز على رأس الجوائز التي تقدّم في مجال أدب الرحلات على مستوى العالم العربي، حيث يمنح المركز الجائزة منذ عام 2003 في فروع منها “تحقيق الرحلة” و”الدراسات في أدب الرحلة” و”الرحلة المعاصرة” و”اليوميات” و”الترجمة”.

وأعلنت الجائزة في دورتها التاسعة للعام 2013-2014 عن فوز ثلاثة مغاربة وفلسطيني وعراقييْن، حيث كانت الأعمال الفائزة هي مخطوطتان من القرن العاشر والثامن عشر الميلادي، ويوميات كاتب مهاجر، ودراسة حول صورة المرأة في الرحلات السفارية العربية، حيث قال الأديب المصري أحمد هريدي والذي فاز في وقت سابق بالجائزة عن كتابه ” تونس البهية” بأن جائزة “ابن بطوطة” تعدّ الوحيدة في الوطن العربي التي تهتمّ بأدب الرحلات.

أماني فؤاد: أدب الرحلة له تراث عريق


فاكهة الرحلة

بالرغم من أن التطورات والتسهيلات في التكنولوجيا والمواصلات كان من المفترض أن تصبح عاملا مساعدا على تطوّر أدب الرحلات وازدهاره، إلا أن العكس تماما هو ما حدث، حيث تلاشى الاهتمام بالرحلة وآدابها يوما بعد يوم، فالصعوبة في التنقل جعلت الرحالة الأوائل يدركون أهمية الرحلة ويسجلون ملاحظاتهم الدقيقة حولها في حين أن سهولة السفر والتنقل من مكان إلى آخر دون معاناة وكجزء من الروتين الذي يعيشه الناس قد أفقد الرحلة خصوصيتها وغموضها السابق.

وقد اختلف النقاد والأدباء حول مدى الاهتمام الحالي بأدب الرحلات، فمنهم من يرى أن الاهتمام مازال موجودا وإن كان يحتاج إلى مزيد الدعم من المثقفين والمؤسسات الثقافية، ومنهم من يرى أن الأدباء يعزفون في الوقت الحالي عن الكتابة في مجال أدب الرحلات نظرا للظروف الاقتصادية والسياسية في البلدان العربية.

الناقدة الأدبية أماني فؤاد أكدت أن أدب الرحلات له تراث عريق يبدأ من ابن بطوطة و ولا ينتهي عند أنيس منصور الذي كتب “حول العالم في 200 يوم”، مشيرة إلى أنه لا يوجد في الوقت الحالي أدب رحلات بالشكل المباشر ولكن الرحلة وتسجيل المشاهدات والمقارنة بين الحضارات موجودة باستمرار في الأعمال الروائية، فرواية ميرال الطحاوي “بروكلين هايتس″ تعرض لامرأة شرقية في أميركا ولظرف حضاري مختلف وللصراع الدائم بين حياتها القديمة والجديدة، فالعمل ليس قائما بصورة صريحة على الرحلة ووصف المشاهدات، ولكن الشغف بالآخر والحغرافيا الأخرى شغف إنساني لم ولن ينتهي.

الصدق الفني


اعتبرت “فؤاد” الكتابة في مجال أدب الرحلات في الوقت الراهن نوعا من الهروب من الواقع، فالظروف السياسية المضطربة جعلت المبدعين يوجهون جل اهتمامهم إلى الأحداث السياسية ليعبروا عنها في كتاباتهم، وأضافت “منذ بداية ما سمي بثورات الربيع العربي هناك نوع من الترقب للمستقبل والواقع السياسي، وصار الأدباء معنيين بشكل أكبر بالشخصية المصرية وإمكاناتها وقدرتها على تغيير الأوضاع القائمة”.

من جانبه، قال الناقد الأدبي الدكتور يوسف نوفل، إن عنصر الصدق في أدب الرحلات يتجلى في الصدق الفني وليس الصدق الذي يُدخل الإنسان الجنة، فالروائي عندما يكتب أدب الرحلات، مثل ما فعل إحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وآخرون، يدخل عليه جزءا من إبداعه فهم في الأساس أدباء، مؤكدا على أن هذا ليس مجافاة للحقيقة ولا يعدّ ارتكاب ذنب وإنما يضيف بخياله قدرة تزيد الصدق وضوحا.

يوسف نوفل:الرحلة كانت ملكا للعلماء وأصبحت الآن ملكا للفنانين والأدباء

وعن أبرز نقاط الاختلاف بين أدب الرحلات قديما وحديثا، أشار نوفل إلى أن أدب الرحلة حاليا ينتسب إلى عالم المبدعين الروائيين السرديين بينما قديما كان منتسبا للعلماء سواء الجغرافيين، أو المؤرخين، أو كذلك الجيولوجيين، ويمكننا القول بأن الرحلة قديما كانت ملكا للعلماء وأصبحت حاليا ملكا للفنانين والأدباء.


مزاج ثقافي


الناقد محمود الغيطاني يرى أنه لا يوجد اهتمام بأدب الرحلات في العالم العربي، حيث لا يمتلك الكتاب في مصر رفاهية التحرك والسفر من بلد إلى آخر نظرا لظروفهم الاقتصادية السيئة، ولكن الرحلة النفسية أو الذهنية داخل الأعمال الروائية موجودة بالطبع ولن تنفد، لأنها جزء هام من العمل الروائي.

واستبعد الغيطاني أن يكون الاهتمام بالأحداث السياسية سببا رئيسيا في عزوف الأدباء عن كتابة أدب الرحلات قائلا “معظم الكتاب لديهم اهتمام بالسياسة حتى قبل حدوث ثورات الربيع العربي، فالاهتمام بالشؤون السياسية ليس مبرّرا للعزوف عن الكتابة في مجال أدب الرحلات الذي يتطلب مجهودا ووقتا ليس بالقليل”.

الروائي أحمد عبدالعليم -صاحب “عبقرية الشر”- يشير إلى أن آخر من اشتهر بالكتابة في أدب الرحلات هو أنيس منصور مؤكدا أن الاهتمام بأدب الرحلات في الوقت الحالي قد تضاءل، فالكتابة الروائية والاهتمام بالرحلة النفسية والذهنية داخل الأعمال الروائية هو المسيطر الآن بشكل رئيسي، ففي الوقت الذي يعتمد فيه أدب الرحلات على نقل الحقائق والتجارب الواقعية، يبرز اهتمام القراء في الوقت الراهن بالخيال الموجود في الأعمال الروائية، فالمزاج الثقافي لم يعد يفضل أدب الرحلات”.

14