أدب الرحلة بحث في الغريب والعجيب والواقعي والخيالي

لم تكن الرحلة حدثا لسفر وتجوال في المكان أو في الوهم والخيال فحسب، بل هي ترجمة حقيقية لرغبة الكائن في الخلاص من شرطي الزمان والمكان والعدم. وكذلك، هي تعبير عميق عن رغبة دفينة في التغيير الداخلي، تنشأ متوازية مع الحاجة إلى تجارب جديدة، أكثر من تعبيرها في الواقع عن تغيير مكان.
السبت 2016/08/20
خالد التوزاني حاول الجمع بين الأدب والبعض من العلوم الإنسانية

الشارقة (الإمارات)- ينفتح كتاب “الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي” للكاتب والناقد المغربي خالد التوزاني، في مقاربته لأدب الرحلة على أشهر الرحلات العربية، مركزا على ثيمة/ موضوعة العجيب باعتبارها محط اهتمام الرحالة والمتلقي معا، ومصدر إمتاع ومؤانسة، وبوابة التغيير الداخلي للذات الإنسانية المحلقة في آفاق النفس والعالم، مؤكدا بذلك على قيمة الأدب ودور الرحلة في تقوية الشخصية وتربية النفس على قيم الصبر والتعاون والتعارف، وغيرها من القيم التي تسهم الرحلات في إشاعتها. وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى عن منشورات دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة في مطلع أغسطس 2016.

ويرى الناقد خالد التوزاني أن الرحلة وإن كانت رحلة في المكان، إلا أن المقصود بالمكان، في معظم الرحلات، هو مكان المجتمع الآخر أو الثقافة الأخرى، والمجتمعات والثقافات كائنات زمانية بالضرورة، وفهم الحاضر فيها يتطلب أساسا معرفة بالماضي، بل وتشوفاتها نحو المستقبل أحيانا.

وهكذا فإن كتاب “الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي” يتيح للقارئ العادي والمتخصص السفر الممكن في عوالم الرحلة العجيبة بما توفره من لذة وفائدة وما تقدمه من موائد دسمة من العجيب المبثوث في كل حركة وانتقال وتحوّل وارتقاء.

يؤكد الناقد أن نصوص بعض الرحلات تتفنن في تشكيل العجيب والغريب بألوان من الدهشة والحيرة والجمال، فيغدو كل شيء في الرحلة عجيبا، ليس لأن أصحاب الرحلات كانوا يزينون نصوصهم ببعض العجائب رغبة في إثارة انتباه المتلقي وتشويقه، وليس استجابة لذوق القارئ المَيَّال إلى العجيب فحسب، وإنما كذلك، لأن ما رآه الرحالة كان شيئا عجيبا حقا بالنسبة إليه، فـأكثر الناس حكما على الأمور بالغرابة هم أكثرهم ترحالا، حيث يواجهون الجديد دائما ويكسرون ألفة المكان والثقافة، فينقلون عالما جديدا مغايرا لما سحقته الرتابة وقتله الملل.

أدب الرحلات يتجاوز الإمتاع والمؤانسة
ولذلك لم تكن الغاية من الرحلات إبداعا لعالم عجيب بقدر ما كانت تتقصّد التعجب من العالم الموجود، فكل ما في العالم موضوع للعجب عند التأمل فيه، إلا أن الاعتياد عليه والأنس به، هو ما يذهب الحيرة، ويذهب لذة الحياة أيضا، ولذلك لم يرتق من لم يرحل، ولم يتطور من لم يذق عجيب المشاهدات.

إذا كان العجيب في الإبداع الأدبي يروم إفزاع المتلقي وإثارة انفعاله، فإنه في أدب الرحلات يستهدف تحقيق أبعاد تربوية ومعرفية وعرفانية خادمة لسمو الإنسان وجماله الخُلقي وبنائه النفسي المتوازن.

وإذا كان هدف العجيب في الأدب عموما يعمل على فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه وتخومه، واستدراج الظواهر المهملة في الزوايا إلى الحديث عن نفسها والإفصاح عن مكنوناتها وأسرارها، فإنه في أدب الرحلات محاولة لتغيير ذلك الواقع من خلال اقتراح حلول بديلة تعيد التوزان المفقود وتعين المرء على تجديد حياته وصناعة واقع مغاير ينسجم مع تطلعاته وأحلامه في قوة التمكين.

ويؤكد التوزاني أن أدب الرحلات يتجاوز الإمتاع والمؤانسة إلى نقل ثقافة الرحالة واهتماماته وانشغالاته التي هي -في الحقيقة- جزء من انشغالات الإنسان في كل زمان ومكان، ومن ثم يمكن أن تساعد دراسة العجيب في أدب الرحلات على فهم عقلية الإنسان زمن تدوينه للرحلة ومعرفة طبيعة تفكيره وتمثله للذات والآخر والمحيط، فأهمية نصوص العجيب ومظاهره تتجاوز ما هو من اختصاص الأدب والنقد، إلى ما هو من مهام البحث في علوم أخرى مثل علم الاجتماع وعلم النفس والباراسيكولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي تروم فهم الإنسان.

ويعتبر هذا الإصدار حصيلة بحث طويل وتأمل عميق في أدب الرحلات امتدّ على مدى عدة سنوات، وأثمر رؤية جديدة لمفهوم الرحلة، حاول فيه الكاتب والناقد المغربي خالد التوزاني الجمع بين الأدب والبعض من العلوم الإنسانية وخاصة علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ، لتقديم عمل أكاديمي يستحق القراءة والتداول.

15