أدب الرحلة نجم معرض الدار البيضاء للكتاب

يعد معرض الكتاب بالدار البيضاء من أهم التظاهرات الثقافية بالمغرب، إذ يجمع علاوة على الكتب باختلاف مشاربها وعناوينها، مثقفين وكتابا من مختلف الأقطار العربية وغيرها، في مزيج ثقافي ثري رسّخ اسم المعرض كواحد من أهم معارض الكتب في العالم العربي والمحيط الأفريقي.
الجمعة 2017/02/17
المغرب والإمارات يعيدان البريق لأدب الرحلة في الثقافة العربية

تميّزت الدورة الـ23 لمعرض الكتاب بالدار البيضاء، التي افتتحت في التاسع من فبراير الجاري وتستمر إلى غاية 19 من نفس الشهر، بحسن التنظيم وبالدقة في مواعيد الفعاليات واللقاءات الثقافية. ورغم الأمطار التي تهاطلت بغزارة على مدى الثلاثة أيام الأولى من الدورة، فإن إقبال الجمهور على الكتب المعروضة، وعلى الندوات واللقاءات كان كثيفا، ومبهجا لنفوس المشاركين والضيوف من كتاب وشعراء ومفكرين ومترجمين وناشرين.

أفارقة ومغاربة

تميّزت هذه الدورة من المعرض بمناهضتها لكل من يحرض على الإرهاب والعنف والتطرف. لذلك غابت الكتب التي تنحو هذا المنحى، كما كان الحال في دورات سابقة. كما غاب أصحابها الذين كانوا يأتون للمعرض، لا محبة في الثقافة واعتزازا بالكتاب، وإنما لكي يقوموا باستعراض ثقافة الكراهية البعيدة عن روح الثقافة وجوهرها.

الحدث الآخر الذي تميّزت به هذه الدورة هو استضافة كتاب وشعراء وصحافيين من بلدان أفريقية مختلفة مثل الكامرون، ورواندا، وتشاد، والكونغو الديمقراطية، والبوروندي، والغابون، وغيرها. وتأتي هذه الاستضافة دعما للعلاقات بين المغرب والبلدان الأفريقية. هذه العلاقات التي استعادت عافيتها بعد أن أفلح المغرب في إذابة الجليد الذي طبعها على مدى سنوات طويلة بسبب أزمة الصحراء. فمن جديد يعود المغرب ساعيا إلى لعب دور أساسي في القارة السمراء، وخاصة دورها الثقافي العريق.

شهد المعرض الإعلان عن تشكيل لجنة أكاديمية عربية لجمع تراث الرحالة ابن بطوطة تمهيدا لإقامة متحف له في مدينة طنجة

وفي الندوات التي خصصت لهم، تحدث الكتاب والشعراء الأفارقة عن الخصوصيات الثقافية التي تتميز بها بلدانهم، وعن الخيال الأفريقي الذي يعود إلى بداية التاريخ البشري، وعن المواضيع التي تشغلهم، وعن فساد النظم السياسية، وعن الحروب الأهلية التي عصفت وتعصف بالعديد من البلدان. كما تطرقوا إلى مواضيع أخرى تتعلق بالهجرة، وبالمنفى الذي يعيش فيه الكثير من الكتاب والشعراء والمفكرين، وباللغة أيضا. فكما هو معلوم، لا تزال اللغات واللهجات الأفريقية شفوية. أما اللغتان المفضلتان في الكتابة فهما اللغة الفرنسية في البلدان التي كانت تحت الهيمنة الفرنسية، واللغة الإنكليزية في البلدان التي كانت تحت الهيمنة البريطانية. ومن خلال هاتين اللغتين تمكن بعض الكتاب والشعراء الأفارقة من اكتساب شهرة عالمية.

وكان لأحباء الشعر موعد مع الشاعر المغربي محمد بن طلحة الفائز بجائزة أركانة العام الماضي، الذي اعتلى المنصة في قاعة أفريقيا مساء السبت الماضي 11 فبراير، ليحيّي القارة السوداء، “قارة الشعراء الأوائل”، والقارة التي بدأ فيها التاريخ البشري. بعدها أمتع الحاضرين بباقة من قصائده القديمة والجديدة. وقد قدّم نفسه قائلا “اسم مستعار، عند هيرودوت: هو الذي، حينما عَثَرَ على برج بابلَ في صندوقه البريديّ عثر أيضا على رقعة شطرنج، وحكمة قديمة: أعلى مراتب الحقيقة، الكذب (..) أنا كيف أكون معاصرا له وكل ما بيننا، منذ قبل التاريخ ظلال وأقنعة”. ومن نصّ آخر قرأ الشاعر “يبدو لي أن رأسي سقط فوق ورقة لا هي بيضاء تماما ولا هي سوداء تماما. هي صيغة متوترة من الاثنين: البياض والسواد. الكلام والصمت. الجرأة والخجل. الحضور والغياب.. تلك ورقة حظ. ورقة أخيرة. غير قابلة للاستبدال، ولا تخضع لأيّ شكل من أشكال المراجعة والتصحيح. أيّ رهان؟ وأيّ امتحان؟”.

وفي الدورة الـ23 لمعرض الدار البيضاء كانت هناك فعاليات ولقاءات أخرى هامة مثل اللقاء مع الناقد المغربي سعيد يقطين، الفائز بجائزة الشيخ زايد في الدراسات النقدية، والذي تحدث عن مختلف جوانب انشغالاته في مجال النقد الأدبي المتصل بفن الرواية تحديدا. كما كان هناك لقاء مع الناقد المغربي الآخر محمد مفتاح الفائز بجائزة الملك فيصل العالمية للغة والأدب العربي، والذي برهن بحسب العارفين به عن “حسّ تأملي متفرّد وطاقة بحثيّة جبارة”.

لذلك حظيت جلّ كتاباته بإعجاب القراء والنقاد والمبدعين في المغرب والمشرق. وعلينا ألاّ ننسى السهرات والمؤانسات على هامش الدورة والتي احتضنها بهو فندق “إيدو أنفا”، ومطاعم ومقاهي الدار البيضاء في سهرات الليل التي غالبا ما تستمر إلى ساعة متأخرة من الليل، وتكون متبلة بالشعر، والمحبة، والاكتشافات المعرفية في مجلات مختلفة ومتنوعة.

أدب الرحلة

المؤلفات الفائزة بجائزة ابن بطوطة لأدب الجغرافي هذا العام تكشف عن المزيد من الإبداعات التي أنجزت في قرون وعقود سابقة

كانت الندوات التي خصصت لأدب الرحلة من أهم الفعاليات في الدورة الـ23 من معرض الدار البيضاء. وقد أشرف عليها المركز العربي لأدب الرحلة الذي يديره الشاعر نوري الجراح المقيم في لندن. وبفضل هذا المركز، استعاد أدب الرحلة الذي اشتهر به العرب في القديم مكانته ليصبح منافسا للأدب الروائي. وقد تنوعت المواضيع المتصلة بأدب الرحلة لتشمل اليوميات، والتحقيقات الخاصة برحلات قديمة ومجهولة، وغير ذلك. وخلال الحفل الذي انتظم في “قاعة أفريقيا” بالمعرض مساء الأحد 12 فبراير، بينما كانت عاصفة شديدة تهز مدينة الدار البيضاء مذكرة بعواصف عاتية تحدث عنها الرحالة القدماء، تمّ الاحتفاء بالفائزين بجائزة ابن بطوطة لهذا العام.

وفي الكلمة التي ألقاها في بداية هذه الحفل، أشاد نوري الجراح بالدور المعنوي والمادي للمغرب في دعم المركز العربي للأدب الجغرافي، وفي احتضان فعالياته، وتشجيعه على مواصلة العمل والبحث ليكون أدب الرحلة مجالا معرفيا منفتحا على الجمهور العريض من الباحثين والقراء والطلبة ومحبي ارتياد الآفاق. وقال الجرّاح إن المؤلفات الفائزة بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة هذا العام “تكشف عن المزيد من الإبداعات التي أُنجزت في قرون وعقود سابقة، وأسهمت عمليا في ردم الفجوات المعرفية بين المشرق والمغرب وبين العرب والعالم، وفي بناء جسور الحوار بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى”. وأشار الجراح إلى أن الجائزة في هذه الدورة عبّرت عن نشاط رجحت فيه كفة الجزائر، في حين رجحت في دورات سابقة كفة المغرب وبلدان عربية مشرقية مثل مصر وسوريا وفلسطين.

من جانبه أعلن رئيس لجنة تحكيم الجائزة الناقد السوري خلدون الشمعة أسماء الفائزين بالجوائز في فروعها الخمسة: الرحلة المعاصرة، والمخطوطات المحققة، والدراسات في أدب الرحلة، وأدب اليوميات، والترجمة، بحضور الفائزات والفائزين، ونخبة من الباحثين الأكاديميين والأدباء المغاربة والعرب، والناشرين المشاركين في المعرض، وأعضاء لجنة التحكيم المكونة من ستة أعضاء من الأكاديميين النقاد والأدباء والباحثين في حقل الأدب الجغرافي والأدب العام، هم: خلدون الشمعة، وعبد النبي ذاكر، وعبد الرحمن بسيسو، وشعيب حليفي، والطائع الحداوي، ونوري الجراح.

وأوضح الشمعة أن عدد المخطوطات المشاركة في هذه الدورة بلغ 52 مخطوطة، من 11 بلدا عربيا، وجرت تصفية أولى استبعدت بموجبها الأعمال التي لم تستجب للشروط العلمية المنصوص عليها بالنسبة إلى التحقيق والدراسة، أو ما غاب عنه المستوى بالنسبة إلى الجائزة التي يمنحها المركز للأعمال المعاصرة. وفي التصفية الثانية بلغ عدد المخطوطات 14 مخطوطة، فيما نتج عن التصفية النهائية، الأعمال التي استحقت التتويج.

أعمال متوجة

آلت جائزة “النصوص الرحلية المحققة” إلى كل من الباحث الأردني زيد عيد الرواضية عن تحقيقه لكتاب “من فيينا إلى فيينا/ رحلة محمد صادق رفعت باشا إلى إيطاليا 1838”، والشاعر العراقي المقيم بتونس شاكر لعيبي عن تحقيق كتاب “رحلة أبو دلف المسعري في القرن العاشر الميلادي”، وهي رحلة قام بها واحد يدعى أبودلف إلى الصين في القرن العاشر، أي عندما كانت الصين منغلقة على نفسها، ولم يكن العالم يعرف عنها شيئا.

وفي الرسالة التي تركها، وصف أبودلف ما شاهده خلال رحلته إلى الصين مرورا بالهند. ورسالته تعد وثيقة هامة تعكس إقبال العرب القدماء على الرحلة رغم المصاعب والمتاعب. كما تعكس حبهم للمغامرة، وفضولهم المعرفي، ورغبتهم في التعرف على الآخر البعيد بالخصوص. وهذا ما أثبتته رحلات ابن بطوطة، وابن فضلان، وابن جبير، والعديد من الرحالة الآخرين.

الكتاب والشعراء الأفارقة تحدثوا عن الخصوصيات الثقافية التي تتميز بها بلدانهم، وعن الخيال الأفريقي الذي يعود إلى بداية التاريخ البشري، وعن المواضيع التي تشغلهم

وثالث المتوجين بفرع النصوص المحققة كان الجزائري عيسى بخيتي عن تحقيق “جمهرة الرحلات الجزائرية الحديثة في الفترة الاستعمارية 1830-1962” في 7 أجزاء متبوعة بدراسته “أدب الرحلة الجزائري الحديث- سياق النص وخطاب الأنساق”. بينما ذهبت جائزة “الرحلة المعاصرة- سندباد الجديد” إلى الكاتبة العراقية لطفية الدليمي عن كتابها “مدني وأهوائي- جولات في مدن العالم”، وفي هذا الكتاب تصف الدليمي رحلاتها إلى مدن مثل دمشق، وبيروت، والإسكندرية، والقاهرة. كما تصف رحلاتها إلى إسطنبول، وطهران، وإلى مدن أوروبية مثل باريس، وبرلين.

أما جائزة “اليوميات” فقد كانت من نصيب الفلسطينية المقيمة في نيكاراغوا غدير أبو سنينة عن كتابها “إخوتي المزينون بالريش”. وفي هذا الكتاب تروي أبوسنينة مشاهداتها في بلدان أميركا اللاتينية مثل نيكاراغوا، كوبا، وبورتوريكو، والمكسيك، وهوندوراس. ومن خلال كتابها، نحن نتعرف على “عوالم مدهشة تفيض بصور البساطة والجمال والأسطورة”.

أما جائزة “الدراسات” فقد توج بها كل من المغربي خالد التوزاني عن كتابه “الرحلة وفتنة العجيب/ بين الكتابة والتلقي”، والسعودية أريج بنت محمد بن سليمان السويلم عن كتابها “السرد الرحلي والمتخيل في كتاب السيرافي والغرناطي” وقد فتحت السويلم بفوزها الباب أمام الجيل الجديد في بلادها على أدب الرحلة الذي لم يكن يحظى فيها باهتمام كبير.

وقد آلت جائزة “الترجمة” إلى العراقي فالح عبد الجبار عن ترجمته لرحلة غوتة إلى إيطاليا “رحلة إيطالية 1786ـ 1788”. وعد الكاتب هذه الرحلة من أرفع وأجمل الرحلات المعرفية في كل العهود والعصور. وقد صدرت الأعمال الفائزة في طبعة أنيقة عن “دار السويدي” في سلاسل “ارتياد الآفاق” للرحلة المحققة، “سندباد الجديد” للرحلة المعاصرة، “اليوميات”، و”دراسات في الأدب الجغرافي”، وذلك بالتعاون مع “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” في بيروت.

ورافقت توزيع الجائزة ندوة شارك فيها الفائزات والفائزون تحدثوا خلالها عن تجاربهم في إنجاز أعمالهم الفائزة، واضاءوا بعض الجوانب الخفية فيها. وشهدت هذه الدورة الإعلان عن تشكيل لجنة أكاديمية عربية لجمع تراث الرحالة ابن بطوطة تمهيدا لإقامة متحف له في مدينة طنجة التي ينتسب إليها بالتعاون بين المركز العربي للأدب الجغرافي، ووزارة الثقافة المغربية، ومنظمة اليونسكو، وجهات أخرى.

15