أدب الرحلة هو جنس أدبي عابر للأجناس الأدبية

شهد معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ28 ثلاث ندوات متتالية ناقشت عددا من القضايا الأساسية في أدب الرحلة وآفاقه المستقبلية في الثقافة العربية. وهو الأدب العابر للأجناس الأدبية المتعارف عليها، والذي يملك تأثيرا استثنائيا.
الاثنين 2018/05/07
الرحلات جسور بين الأمكنة والأزمنة

أقيمت مؤخرا بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ28 ندوة بعنوان “الرحالون سفراء الثقافات: اكتشاف الذات والآخر” تم التطرق فيها إلى الدور الذي يلعبه مشروع مركز “ارتياد الآفاق”، وجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، حيث افتتح مركز ارتياد الآفاق، الذي تأسس عام 2001، في مكانين هما لندن وأبوظبي، برعاية مباشرة من المثقف والشاعر الإماراتي أحمد خليفة السويدي، في المكتبة العربية ركنا لأدب الرحلة، ليعيد إدراج هذا الأدب كجزء أساسي من مكونات الثقافة العربية المعاصرة والحديثة.

وناقش كل من الشاعر نوري الجراح مدير عام مركز ارتياد الآفاق والدكتور عزالمغرب معنينو والباحثة رشا الخطيب والناقد مفيد نجم والكاتب الفلسطيني عبدالرحمن بسيسو أهم القضايا المتعلقة بأدب الرحلة في ندوة “الرحالون سفراء الثقافات: اكتشاف الذات والآخر” التي قدمها وأدارها الشاعر والمترجم صديق جوهر.

أدب بعدة أغراض

بداية ذكر نوري الجراح بأهمية مشروع مركز ارتياد الآفاق خاصة في استقطاب الدارسين والباحثين المعنيين بأدب الرحلة، وتشجيع الأدباء والكتاب على السفر برعاية منه هنا وهناك في جغرافيات العالم وبأهمية جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.

ولفت الجراح إلى أن نص الرحلة يزدهر في منطقة المغرب العربي، وخصوصا المغرب الأقصى، بحسب التسمية الخلدونية أي المغرب اليوم. وبالتالي لمسنا من خلال علاقة المركز بالأكاديمية المغربية، اهتماما متناميا وبالغ الأثر في إحياء هذا النص.

وقال الجراح “إن دور المغاربة دور مركزي في عمل المركز من جهة، وفي أدب الرحلة كدراسة وتحقيق من جهة أخرى، وأن الأكاديمية المغربية أكثر عناية من الأكاديمية المشرقية بأدب الرحلة، يجب أن نعترف بهذا، إن اهتمام المغاربة كان فعلا أكثر، وربما السبب واقعي جدا أن المغاربة أصحاب نص الرحلة، وأن الرحلة جزء مكون أساسي وليس إضافيا في ثقافتهم. وهذا الثراء في النص في المغرب، أدى إلى اعتماد مناهج حديثة وثراء في البحث وتعمقا في بحث هذا النص واستكشاف خطورته، وبالنسبة للتواصل الثقافي والحضاري مع الثقافات المختلفة أو بالنسبة لوعي الذات”.

أدب الرحلة كأدب على غرار الآداب الأخرى لديه قراء مهمون، والدليل على ذلك حجم المبيعات وحجم الاهتمام به

ورأى الدكتور عزالمغرب معنينو أن دولة المغرب توجد في أقصى غرب أفريقيا، وبالتالي كانت أبعد دولة عن مركز الخلافة في دمشق وبغداد، ومن ثمة كانت من أولى الدول التي كانت استقلت بذاتها وبهويتها الدينية وبحدودها وبناء دولة مستقلة في وقت مبكر عن الخلافة الإسلامية. ثانيا أن موقع المغرب يبعد عن أسبانيا 14 كم فقط، وهذا الموقع الاستراتيجي، بإطلاله على البحر المتوسط، والمحيط الأطلسي، جعلها نقطة عبور بين دول الخلافة الإسلامية في المشرق العربي والإمبراطورية المسيحية في أوروبا، خاصة أنه لعب دورا أساسيا في فتح بلاد الأندلس، وفي دعم دويلاتها لمدة ثمانية قرون، ودفع إلى الرحلات الدبلوماسية بشكل مبكر خاصة في دولة المرابطين ودولة الموحدين، والموحدين هم أول من وحدوا دول شمال أفريقيا فكانت حدودها من برقة في طرابلس إلى نهر السنغال في الجنوب وإلى حدود فرنسا في الشمال، وهذه القوة والسلطة المتمركزة في مدينة مراكش، نسجت علاقات دبلوماسية مبكرة مع دول جنوب الصحراء في أفريقيا ومع أوروبا ومع دول المشرق العربي.

وأكد معنينو أن هذا ما يفسر لنا أسباب الريادة المغربية في المجال الدبلوماسي والرحلة السفرية، لأن الكثير من السفراء المغاربة الذين توجهوا لمدريد ولشبونة وباريس وغيرها من العواصم الغربية وإلى المشرق نحو تونس والقاهرة والحجاز والباب العالي كونوا علاقات دبلوماسية، هذه الدبلوماسية الممتدة أهلت الدبلوماسية المغربية لأن ترسل عددا من السفراء، وهؤلاء السفراء دونوا لنا رحلاتهم ومشاهداتهم خاصة في عصر النهضة، لكن مع الأسف، ظلت هذه الرحلات مخطوطة وسجينة في رفوف مكتبات أهالي هؤلاء السفراء، وبالتالي لم تعط إشعاعها.

وأوضح معنينو أن رحلات السفارية المغربية كان لها تأثير إيجابي على الدفع بحركة الإصلاح وفتحت باب الحوارات مع الآخر، لتخفيف الأزمات وطرح الحلول، لبناء تعاون جديد وخلق فرص للسلام، والتعاون. كل هذه المزايا تظهر في الدبلوماسي، مع أن ضابط الجيش هو في الصف الأخير يلجأ إليه عندما تغلق كل الأبواب، واكتفى بهذا القدر.

بدوره أكد الكاتب الفلسطيني عبدالرحمن بسيسو أن الأهمية المعرفية والتاريخية والثقافية لأدب الرحلات تأتي في صلب أهداف مركز “ارتياد الآفاق”، لأن المسألة في البدأ والمنتهى، هي كيف نرى العالم؟ وكيف نرى أنفسنا في العالم؟ ما هو المدى الذي نستطيع أن نوغل فيه في أعماقنا كي نفهم أنفسنا ونعرفها؟ وما هو المدى الذي نستطيع أن نوغل فيه في أعماق الآخر لنعرفه ونتعارف ونقدم أنفسنا إليه؟

 وقال بسيسو “نحن نريد أن نرى العالم بعيون كثيرة، كما يقول المشرفون على مركز ‘ارتياد الآفاق‘، أظن أننا في هذا الزمن لكي نربط بين مسألتين: توظيف أدب الرحلة من أجل أغراض استعمارية أو من أجل خلق إنسانية كونية تعتز بإنسانيتها وتعثر على جوهرها الحقيقي، أريد أن أشير إلى كتاب معروف اسمه ‘الغصن الذهبي‘ لجيمس فرايزر، كتب هذا الكتاب الموسوعي الهائل ولم يغادر المكتبة، لأن الرحالة والمستكشفين الذين كانوا يذهبون إلى آفاق العالم وجهاته الأربعة، كانوا يعودون ويقدمون شهاداتهم على ما رأوا، فتولى هو كتابة هذا الكتاب ولكنهم جميعا سافروا إلى مناطق محدودة، ووحده هو الذي ذهب إلى كل أنحاء العالم، هذا يعيدنا إلى التفكير في مفهوم الرحلة وأدب الرحلة، وقد رحل جيمس فرايزر على روايات كل هؤلاء وعلى أكفهم، وعاش ما عاشوه وكتبه لنا وأعطاه للعلم، هذا ما أتمني على مركز ‘ارتياد الآفاق‘ أن يفتحه أمام الباحثين والمفكرين لكي يعيدوا التفكير في مفهوم أدب الرحلة ويوسع عمل المركز”.

الاهتمام بالرحلة

حول أهمية أدب الرحلات وهل ثمة من يقرأه قال الناقد مفيد نجم “إن للأدب توجهات، هناك من يفضل قراءة الرواية أو الشعر أو الأدب، ليس لدينا قارئ محدد، لدينا قراء متعددون، وبالتالي أدب الرحلة كأدب على غرار الآداب الأخرى، يمكن أن يكون لديه قراء مهمون، والدليل على ذلك هو حجم المبيعات وحجم الاهتمام به، وهذا مؤشر إيجابي، حول هذا المشروع، وحول جدواه من الناحية الأدبية والمعرفية، لأن الأدب المعرفي ليس أدبا فقط، هو يقدم معرفة عن زمن ما في مكان ما في رحلة ما وفي ضوء رؤية محددة لصاحب الرحلة، وبالتالي فإن أدب الرحلة هو جنس أدبي عابر للأجناس الأدبية.. يعني ليس لدينا جنس محدد يمكن أن نستند إليه، هو جامع  لعدة أجناس أدبية وبالتالي هذا التنوع الذي يتميز به أدب الرحلة هو أهم ما يميز هذا الأدب”.

رحلات السفرية المغربية كان لها تأثير إيجابي في حركة الإصلاح وفتح الحوارات مع الآخر، لتخفيف الأزمات وطرح الحلول

وأضاف نجم “من ناحية أخرى هناك شيء مهم لم يتحدث عنه الزملاء وهو الرحلة المعاصرة، وكيف نرى العالم والعمران والمكان والزمان برؤية جديدة في ضوء الانفجار المعرفي والحساسية الجديدة، في ضوء رؤيتنا المختلفة مع العالم وعلاقتنا معه ومع الزمن، في ضوء المنجز المعرفي الكامل، الذي أصبح في متناول الجميع، وبالتالي فإن مشروع أدب الرحلة، هو محرض أساسي على متابعة هذا الإبداع في هذا المجال، والرحلة المعاصرة تشكل إسهاما إضافيا يغني ويثري أدب الرحلة ويجعله في متناول القارئ المعاصر”.

حول وضعية أدب الرحلات في الأكاديمة العربية والجامعات والأقسام المتخصصة وهل دخل كجزء من الدراسات العربية ومراكز التعليم في العالم العربي، قالت الباحثة رشا الخطيب “إن أدب الرحلات ربما له مكانة كبيرة نوعا ما في الجامعات والأكاديميات المغربية، لكن ليس لدي إطلاع شامل على جميع الجامعات في العالم العربي، وهنا سأتحدث في نطاق ضيق، مثل الأردن، الذي هو بلدي الذي أعمل فيه، للأسف مازال هذا النوع من الدراسات يدرس على نطاق ضيق جدا، قد يمر بالطلبة في دراستهم الدنيا أو العليا مرور الكرام ببعض النصوص الرحلية، والتي قد أسميها نصوصا من النصوص الأمهات في الوطن العربي كرحلة ابن بطوطة وابن جبير والرحلات المشهورة، لكن ربما مع هذه الجائزة، وهذا الانتشار على مدى سنواتها  والحضور الإعلامي في المشهد الثقافي المعاصر، يزيد الاهتمام بأدب الرحلة”.

15