أدب السيرة الذاتية عند العرب بين الإفصاح والارتياب

هل يعد الخوض في فكرة كتاب حول السيرة الذاتية للكاتب العربي أمرا بعيد الاحتمال؟ يبدو أن للرفض أسبابا ومسببات، رغم أن تاريخ الأدب العربي يحفل بأسماء -وإن كانت قليلة- قدّمت هذا النوع من الفن الإبداعي كــ”الأيام” للمصري طه حسين، و”هذا ما حدث” لليبي علي فهمي خشيم، و”رحلة جبلية، رحلة صعبة” للفلسطينية فدوى طوقان، و”حياتي” للمصري أحمد أمين. “العرب” استطلعت رأي بعض النقاد والروائيين من العراق ومصر حول الدوافع التي تجعل من الكتاب العرب يبتعدون عن كتابة سيرهم الذاتية، فكان هذا التحقيق.
السبت 2017/04/08
الخوف من كشف الوجوه الخفية (لوحة للفنان منيف عجاج)

ابتعاد كتاب الرواية العربية عن الخوض في سيرهم الذاتية إلا لماما، ربما هو ما دفع القارئ العربي إلى قراءة سير حياتية لكتّاب عالميين، حملت إخفاقات ونجاحات الكاتب الإنسان بعيدا عن الشهرة، ولكن هل يمكننا الإقرار بأن ابتعاد الكاتب العربي عن كتابة سيرته متعلق بتقاليد مجتمعاتنا العربية التي تطال الرجال والنساء؟ وهل يترك الكاتب العربي الباب مواربا حول موضوع السيرة متجها إلى الرواية، مصرا طوال الوقت على أن ما يكتبه مجرد أحداث روائية فقط، ولا علاقة تربطها بشخوصها؟

تلصص مجتمعي

عبدالله إبراهيم: أدب الاعتراف مازال مبعدا عن السياق الرسمي للأدب العربي

يقول الناقد العراقي عبدالله إبراهيم “أدب الاعتراف موجود، وفي مقدمته السيرة الذاتية، يتلقّى إمّا بوصفه جملة أسرار، وإما على أنّه مدونة فضائح ينبغي التستر عليها، فسوء الظن يتربص بالكتّاب والقراء على حدّ سواء، ولا غرابة في أن نجد ندرة فيه (في أدب الاعتراف) في الأدب العربي قديمه وحديثه، فلا يقبل الكاتب البوح بالجوانب الشخصية، فالخوف يعمق رغبته في الصمت، فيتجنب الكاتب ذكر الوقائع الصريحة، ويطمر ذلك في طياته تزييفا للتاريخ الشخصي، ويجعل من خداع الذات سلوكا مقبولا، فتتوارى الوقائع المهمة في حياة الكاتب، وهذا يخالف وظيفة أدب الاعتراف وهي استبطان المناطق المخفية من حياة الأشخاص”.

ويقر إبراهيم بأن أدب الاعتراف مازال مبعدا عن السياق الرسمي للأدب العربي، وفي الكثير من الأحيان يوصم المعترف بأنه شخص غدر بمجتمعه، وتنكر له بأن فضّل اختيارا فرديا تاركا الجماعة خارج اهتمامه، أو أنّه فضح البطانة الخفية المسكوت عنها.

ويضيف “أدب الاعتراف محطّ شبهة وموضوع ارتياب، لأن الجمهور لم يتمرس بقبول الحقائق، فيرى في جرأة الكاتب على كشف المستور سلوكا غير مقبول، وإفراطا في فضح المجهول، فالاعتراف محاط بالكثير من ضروب الحذر في مجتمعات تقليدية تتخيل أنها بلا أخطاء، فتبالغ في ذكر نِعم الله عليها، وكأنها هبات خصّت بها دون سواها، وتتحاشى ذكر عيوبها، وتتوهّم أنّها تطهّرت من الآثام التي واظبت على اقترافها مجتمعات أخرى، فتدفع المخاوف الكثير من الكتّاب إلى اختلاق تواريخ استرضائية لمجتمعاتهم، وابتكار صور نقية لذواتهم، متجنبين كشف المناطق السرية في تجاربهم، فصمتوا عمّا ينبغي عليهم قوله أو زيّفوا فيه، وربما أنكروا وقوعه، يريدون بذلك الحفاظ على الصور الشفّافة لهم ولمجتمعاتهم”.

إبراهيم القاضي: يعتقد كل إنسان منا، أنه يمتلك أفضل سيرة ذاتية في العالم لو أقدم على سردها

ويتابع ضيف “العرب” قائلا “يضع أدب الاعتراف -ومثاله الأكثر وضوحا السيرة الذاتية والسيرة الروائية التي تستفيد من التجارب الذاتية للمؤلّف كما نجد ذلك عند محمد شكري وصموئيل شمعون ورؤوف مسعد وحنّا مينه ولويس عوض وسهيل إدريس- الكاتب أمام المسؤولية المباشرة لصناع الرأي العام، لأن الاعتراف في حد ذاته يقع في المنطقة المتوترة بين رغبة الجمهور في براءة المشاهير، ورغبة هؤلاء في التطهّر ممّا لحق بهم من أخطاء اقترفوها عن قصد أو عن غير قصد خلال حياتهم”.

ويشرح إبراهيم تمشيه، موضحا “يحول التنازع بين الصورة الخارجية والداخلية للكاتب دون الاتفاق على حل مرض للطرفين، فالجمهور الأدبي يصاب بخيبة أمل حينما يعرض الكاتب اعترافا صريحا عن حياته، وأفكاره ومعتقداته، لأنّ الصورة النمطية للكاتب تخرّب في بعض أجزائها، وهذا تعبير عن رغبة يبديها متلقّون ينتظرون نقاء مطلقا دون أن يفكروا في نقائهم الخاص، وبمقابل ذلك يحرص بعض الكتّاب على عدم التنكّر للأخطاء التي انزلقوا إليها في وقت مضى، سواء أكانت شخصية أم أيديولوجية، فهم يريدون تنقية صورهم ‘الجوانيّة’ حتى لو اقتضى ذلك البوح بالأسرار الخاصة وبالأخطاء، فللاعتراف قيمة تفوق قيمة الصمت أو التزوير”.

ويقول الروائي المصري إبراهيم القاضي “ذات مرة شاهدت كاتبة شابة في لقاء تلفزيوني، تتحدث عن روايتها الجديدة الجريئة، كما يطلق عليها البعض، كانت الرواية تحكي عن مغامرات جنسية لأنثى، وشعرت أن هذه الروائية أرادت أن تقسم بأغلظ الأيمان للمذيع وللمشاهدين أنها ليست بطلة روايتها، وأنها تستنكر أفعال تلك البطلة، كم هي مأساة أن يتلصص الغير على حياتك الخاصة، والمأساة أفدح للأنثى في مجتمع ذكوري يراها السواد الأعظم منه عورة مكانها البيت وتربية العيال”.

عبدالهادي سعدون: إشكالية الكاتب العربي ليست مع السيرة الذاتية فقط، بل مع محرمات ذاتية عديدة

وتابع القاضي “يعتقد كل إنسان منا، أنه يمتلك أفضل سيرة ذاتية في العالم لو أقدم على سردها، لكن في مجتمع يتلذّذ دوما بالتلصص على حياة الغير، وفي أجواء لا يُعترف فيها بقدسيّة الحياة الخاصة، يصير من الصعب للغاية أن يبوح المبدع بمكنون نفسه، فهو لا يعيش بمفرده، وقد يؤثر البوح على حياة آخرين، كما أن حياته نفسها قد تتعرض للخطر، وإن كان ثمة كتّاب ثاروا على الموروث الثقافي وأعلنوا التحدي بنصوص بديعة كالروائي المغربي الراحل محمد شكري في روايته البديعة الخبز الحافي”.

ويشعر القاضي بالأسف لحال أن أغلب المبدعين لا يسترزقون مما يكتبون، وقد تنقطع أرزاقهم إن هم تحدثوا عن تجاربهم الذاتية بوضوح، لذا قد يلجأون إلى الحيلة للتعبير عن ذواتهم عبر إسقاط تجاربهم الذاتية على شخصيات وهمية، دون أن تمسهم نيران المرابطين على حدود الفضيلة، وما أكثرهم!

بيان مكاشفة

يعترف الكاتب العراقي عبدالهادي سعدون بأن إشكالية الكاتب العربي ليست مع السيرة الذاتية فقط، بل مع محرمات ذاتية عديدة لا نكاد نتطرق إليها، ولكن اليوم وصل الأدب العربي إلى درجة من الصراحة من الممكن معها أن تكون التجربة الذاتية من ضمن مقومات الفهم للكاتب نفسه.

ويقول سعدون “إذا كان أي واحد منا قد سطّر ويسطّر أجزاء منتخبة من تجربته الشخصية في نصوصه الكتابية السردية وغيرها، فهي طريقة أخرى بشكل ما للتلاعب الأدبي والبحث عن توصيلة أخرى للبوح بها”.

ويضيف ضيفنا “أنا شخصيا لا أجد حرجا في ذلك، بل العكس الكثير منها مكتوب أولا عبر نصوصي القصصية وغيرها مكتوب في سير الرحلات والمشاهد والتذكّر، بعضها نشرته والبعض الآخر ينتظر فرصة النشر، هناك ازدواجية تحيطنا وتتخللنا من خلال النظر للأمر، وكأن الكشف عن مكنونات الواحد فينا هو أن يعرض ذاته للكشف والتشهير، وهذا خاطئ ومجحف بحق الناقد والقارئ”.

ناظم ناصر القريشي: الخوف من الاعتراف هاجس الكاتب العربي

ويعتقد الروائي عبدالهادي سعدون أن “أفضل طريقة للكتابة هي الغوص في الذات وطرحها عرضة للشمس والريح، والمحاسبة والسجال، والنقد يأتي فيما بعد، ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن الخشية والانتقائية هما اللتان تتحكمان بالكتّاب في هذه المسألة، فالشجاعة والكتابة الحقيقية هما جوهر الكتابة بحد ذاتها سواء كانت ذاتيّة أو تخيليّة”.

وأشار الناقد العراقي ناظم ناصر القريشي إلى أن كتابة السيرة الذاتية أو اليوميات أو المذكرات من قبل الكاتب أمر مهم جدا للقراء والمهتمين، وتنال القدر الأكبر من عنايتهم على اعتبار أن الكاتب أو الأديب أنموذج في المجتمع والاطلاع على تجربته في الحياة قد يساهم في تحريك مشاعر القراء نحو المكاشفة ومحاسبة النفس، ويفيد في تطوير تجاربهم الأدبية والكتابية والحياتية أيضا على اعتبار أن الأحداث التي يرويها الكاتب هي تجارب حقيقية وليست من خيال.

ويتساءل القريشي “إذا كان الكاتب حقيقيا وصادقا في حياته وكتاباته فلماذا يخشى كتابة سيرته الذاتية؟ إلا إذا كانت كتاباته في واد وحياته في واد آخر، فيخشى رؤية وجهه الحقيقي في المرآة، لذا لا يجرؤ على كشف وجهه الحقيقي، وإذا تسربت ملامح هذا الوجه إلى إحدى كتاباته يحاول أن يتبرأ منها حفاظا على مكانته الاجتماعية والأدبية، هذا من جهة ومن جهة أخرى يعتبر أغلب الكتّاب أن حياتهم الشخصية ملك لهم ولا يحبون من يطلع على أسرارهم”.

وفي المقابل -يختم القريشي- “هناك كتّاب يعتبرون السيرة الذاتية بيان حالة الشخص وطريقته ومنهجه ووصفه وسط الناس، وهي أحد أنواع الكتابات الأدبية، فيعتمدون على انتقاء تجارب وأحداث مرّت بهم وترتيبها وعرضها بصورة شيقة وفنية، لكن دون تزييف أو محاولة خلط للحقائق”.

15