أدب الشوارع متحف اجتماعي مكتنز بكل شيء

ظاهرة بدأها فنانون بوهيميون تعبيرا عن الاغتراب الذي يعانونه ثم إلى مقاومة شعبية للتتحول بعد ذلك إلى سجالات فوضوية.
الخميس 2019/05/02
رسائل تحملها الجدران

الكتابة على الجدران ظاهرة تكتسح أغلب أحياء المدن في العالم، خاصة تلك التي يعاني سكانها من الكبت والفقر والتهميش، حيث تأتي هذه الكتابات كتعبيرات مضطهدة تحاول أن تخرق كل الحواجز الورقية والإعلامية وغيرها لتكون إشهارا عاما بمشاعر أو أفكار أو آراء، لكن قد تحيد إلى عنف وكراهية وتحريض وغيرها من الظواهر. وبانتقال هذه الكتابات إلى ظاهرة في الأوطان العربية بيّنت الكثير من المسكوت عنه عند هذه الشعوب.

  في منظاره الثاقب بعيد المدى التقط ضابط المارينز الأميركي في عدسة المنظار رجلا يخط بشكل عشوائي على حائط مدرسة كلمات عربية لا يفهمها. وكان الرجل يريد أن ينهي مهمته بشكل سريع، فجنود المارينز ودباباتهم ليسوا بعيدين عن المكان. وكان الضابط الراصد متوترا بعض الشيء وهو يضع الرجل في صليب قناصته المتقاطع، ويرى الحروف المتسارعة كبيرة في عدسته المفتوحة، فاستدعى المترجم وطلب منه قراءة ما كتبه الرجل قبل أن يطلق رصاصته الجاهزة. غير أن المترجم طمأنه عندما قرأ اكتمال الجملة بأنها: بغداد لن تسقط.

عندها هدأ الضابط المارينزي وترك قناصته المتوترة ترقد إلى جانبه، لكنه بعد أيام شاهد كتابات مماثلة على جدران الدوائر الرسمية والمدارس، وقد أخذت تتزايد وتعكس شيئاً غير قليل من مظاهر الفوضى اليومية، ففهم على نحوٍ ما أن مثل هذا يحدث في أوقات الحروب للشعوب المحتلّة والمقهورة، وأن مثل هذا (الأدب) الذي أخذ يملأ الشوارع وواجهاتها من الجدران والأبواب هو أحد إرهاصات مجتمع يعاني من الكثير من الضغط والكبت السياسي والاجتماعي.

ظاهرة منفلتة

في هذه اللقطة السريعة يمكن متابعة هذا الجنس الكتابي المنتشر عالمياً في ظروف متعددة وفي مناطق مختلفة من العالم، فمثل هذه الكتابات يتم تصنيفها على أنها أدب عشوائي لكتّاب غير محترفين وحتى ليسوا هواة، لكنهم يؤمنون بقوة الكلمة وتأثيرها النافذ كرد فعل على جملة أمور معيشية وحياتية وسياسية وتحريضية متعددة، وفي العادة فإن الجدران التي تطل على الشوارع العامة هي الأمكنة المفضلة لهؤلاء المجهولين الذين أخذوا تسميات متعددة لكنها ذات معنىً واحد “أدب الشوارع/ أدب الجدران/ أدب الفقراء/ أدب الهواة/ صحافة المواطن”، وتسميات ممكنة أخرى لجنس شفاهي (مكتوب) على جدران البيوت والمحال والدوائر الرسمية والمدارس في ظاهرة عالمية منتشرة، قد تكون وصلت إلى العالم العربي متأخرة نسبياً مع أسبابها المباشرة التي يمكن في مستقبل هذا المقال أن نسبّبها ونحللها، بعدما نمرُّ على بعض الظروف الاجتماعية والسياسية والإنسانية في التوقف عند هذه الظاهرة الحرة التي توسعت كثيرا وباتت موجّهاتُها واضحة، وكتّابها من طبقات اجتماعية محددة محاطون بظروف معروفة قد تكون طارئة أو قارّة، لكنها ظروف عسيرة في الأحوال كلها.

كتابات الجدران إشهار فوضوي لسلوك غير منضبط يشي بكبت اجتماعي وجنسي وعاطفي لا تستوعبه غير الجدران المشاعة للجميع

على الأغلب بدأ هذه الظاهرة فنانون بوهيميون هواة في الغرب في استثمار الجدران المعزولة ليرسموا عليها جداريات عشوائية تفسّر بعض الاغتراب الذي يعانونه، أو هو طريقة في التعبير عن الغضب والسخط لحالة سياسية أو طبقية اجتماعية، فتركوا آثارهم على تلك الجدران، ثم توسعت الظاهرة بعدما التقطها هواة وبوهيميون آخرون وزحفت إلى المدن وأوساطها بأكثر من طريقة، قد تكون موسيقى الشوارع حافزا من حوافز التمرد النفسي الذي يبدأ بجماعة، ثم يتمدد في الأوساط الاجتماعية إلى آخرين، وهكذا تنشر الحالة في ظرف ناقل وحاضنة ممكنة لتوطين هذا الأثر أو ذاك. بما يعني أن النسق الاجتماعي العام يسمح لشيوع مثل هذه الظاهرة حتى في أكثر الدول انضباطا وقانونية وتحضرا، فالمجتمعات ليست صندوقا مغلقا وبالتالي يمكن لأي ظاهرة أن تأخذ مداها الطبيعي وتشكل علامة من علامات القهر الذاتي أو الجماعي، كما حصل في الثورات العربية بربيعها الأسود الذي تحولت فيه الجدران إلى شعارات وطنية وثورية آنية استعمِلت فيها الأصباغ العشوائية والخطوط البسيطة واللغة الشعبية التي افتقرت إلى القواعد بمفرداتها المليئة بالأخطاء النحوية، كنزوع جماهيري خرج من الذوات المكبوتة إلى فضاءات الحرية المتاحة. وهذا ما جعل الكثيرين يستنجدون بأبيات شعرية ومقولات شهيرة جاهزة لأدباء ومفكرين معروفين، تعبيرا عن نسق اجتماعي خرج من حصار طويل إلى نسق ثقافي أكثر ميلا إلى التحرر والانطلاق نحو جمال الحياة.

متحف الجدران

من فكرة القنّاص الأميركي الذي أرعبته جملة سريعة وحتى اليوم، صار “أدب الشوارع” في العراق كمثال ميداني يأخذ مناحيَ أخرى واتجاهات ثانية وميولا شخصية وجماعية، في الحب بدرجةٍ أساسية والوطنية والطائفية والسياسة والفقر والغربة والعشائرية، متفقين مبدئياً على أن الشعوب المبتلاة بالحروب والكبت السياسي والفلتان الأمني هي أكثر الشعوب نزوعاً إلى مثل هذا التوثيق الميداني المباشر والصريح، فالمهمشون الاجتماعيون فاعلون في هذا المجال وهم الأكثر قدرة على بث المشاعر الوطنية والإنسانية بطريقة بسيطة وسهلة يفهمها الجميع.

إشهار الحب بجمل صريحة أو بترميز حروفي ناقص مع رسمات لقلوب وسهام ما يشاع اليوم على جدران المدارس والبيوت. إنه إشهار فوضوي لسلوك غير منضبط يشي بكبت اجتماعي وجنسي وعاطفي لا تستوعبه غير الجدران المشاعة للجميع، وهو ما يشبه إطلاق الفضيحة الرومانسية وإخراجها من الذات إلى الجماعة كاستنجاد فوري لحالة عشق لا تتوافر فيها إمكانيات الاستمرارية بسبب الفقر وأمام غلاء ومتطلبات الحياة وإلى حد ما الطائفية التي نبتت في المجتمع كأزهار الشر؛ وغير هذا فإن العبارة العشائرية المخيفة (مطلوب دم) هي الأكثر شيوعا واستفزازا في المجتمع، عندما يكون هناك نزاع عشائري لا يحلّه غير القتل والقتال، وهذه ظاهرة استفحلت كثيراً في المجتمع العراقي، وباتت تنذر بالمخاوف في غياب الاستتباب الأمني، وهذا يقع في باب (اللا أدب) الاجتماعي مع توثيقه الطبيعي من أنه يقع في صلب التسمية “أدب الشوارع″ كإفراز من إفرازات المرحلة العراقية الجديدة المتسمة بالفوضى غير الخلاقة.

أدب الشوارع من إفرازات المرحلة العراقية الجديدة المتسمة بالفوضى غير الخلاقة
أدب الشوارع من إفرازات المرحلة العراقية الجديدة المتسمة بالفوضى غير الخلاقة

ثمة ما يشار إليه في هذا النوع من الكتابات وهو انتشار الكتابات الدينية في مواسم معينة ومعروفة، ويضعها البعض في خانة الطائفية، فيما يراها آخرون بأنها مناسبات دينية تستدعي مثل هذا الإشهار الطبيعي، حتى تجد العاصمة بغداد مزروعة الجدران بكتابات ورايات ملونة لا حصر لها، فنزح النزوع الاجتماعي من المطالبة بتحقيق فرص العمل إلى عُرف قهري يتبارى الأغلبية إليه تحت غطاء الدين في ثقافة آخذة بالانتشار كثيرا.

أدب الشوارع الذي تعدّى حدوده من مطالب مشروعة بلفت الأنظار إلى الحاجات الطبيعية وتحول إلى سجالات فوضوية تركت الكثير من التشوهات المدينية في العاصمة والمحافظات، بعدما كان مثل هذا الأدب بلا هوية واضحة أصبحت هويته واضحة في هذا الإطار الديني المتشدد.

مثل هذا التوثيق في زواياه الوطنية والرومانسية والعشائرية والدينية هو توثيق لمرحلة حرجة من التاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي، لابد من قراءته في ظروفه الجديدة. قراءة السخط الاجتماعي. قراءة العاطفة المكبّلة بالفقر والعوز. قراءة ترسيخ التحولات المذهبية. قراءة هذا المتحف الاجتماعي الذي نسميه بأدب الشوارع المكتنز بكل شيء ولا نحتاج سوى إلى علماء اجتماع ونفس لقراءة أخطر مرحلة يمر بها العراق في تحولاته النسقية الثقافية المقرونة بسياسة طائفية عليها أكثر من علامة استفهام، وأدب الشوارع أحد إفرازاتها.

14