أدب عابر للحدود

الاثنين 2015/06/22

لا تنفك مزاعم معيّنة تلتصق بالأدب، تحاول مهره بتصورات معيّنة، وهي تعاود التجدّد والظهور بين فترة وأخرى، كأنّ إعادة طرحها وضخّها بالمقولات الفضفاضة يكسبها مشروعية ما، أو يمنحها القوّة لتصمد وتوثّر في الناس، مشكّلة تيّارا ما مفترضا.

يصادف أحدنا مفاهيم وأفكارا تطرح في تناول قضايا أدبية وفكرية، تروم اختلاق المختلف، أو تحاول الترفّع عن الموجود بحجّة البحث عن المميّز، أو الأكثر تميّزا، وذلك في معرض تولية الظهر للواقع واستحقاقاته، والهرب إلى الجهة الأخرى، ثمّ تغليف ذاك الهرب بمزاعم وشعارات عريضة.

من ذلك مثلا قول بعضهم، إنّهم يكتبون أدبا عابرا للأمكنة والحدود، وذلك في معرض حديثهم عن ثانوية المكان الذي ينتمون إليه، أو ينحدرون منه، والبحث عن أماكن متخيّلة أو بعيدة، والسعي إلى إظهار تلك الحالة بأنّها الصحّية والواجب اتّباعها، بحجّة أنّ الأدب الذي ينحصر في مكان واحد يفقد سعته وثراءه ويبقى مقيّدا بأناس ذاك المكان فقط. ويؤكّدون مقولاتهم بأمثلة من الأدب العالميّ اختار أصحابها رسم جغرافيات بعيدة والتوغّل فيها، متناسين أنّ ذلك الابتعاد كان بمعنى ما اقترابا من الدوائر التي تدور بأمكنتهم وأهلها.

ماذا لو انشغل نجيب محفوظ بالكتابة عن واقع مختلف عن واقعه، متجاهلا الحارة المصريّة التي رصد تفاصيلها ويومياتها وأدقّ دقائقها؟ هل كان سيغدو أديبا عابرا للأمكنة والحدود؟ أليس المكان الذي سكنه وأسكنه في أعماله منحه الحضور العالميّ، وهو الذي أكسب أعماله صفة عبور الزمان والمكان؟

ماذا لو نأى غابرييل غارسيا ماركيز بأعماله عن تصوير قريته أراكاتاكا، وابتعد عن التقاط تفاصيل الحياة ومناحي العيش فيها؟ هل كان سيحقّق ما حقّقه من إنجاز يشكّل علامة فارقة في عالم الرواية العالمية؟

تكون صفة الأدب العابر للحدود والأمكنة جذّابة ضبابيّة معمية، وذلك حين تنطلق من جانب التنصّل من المسؤوليات التي يفرضها الواقع والتاريخ على الأديب، وذلك في التعبير عن هموم مَن يعيش بينهم وقضاياهم وأحلامهم وآلامهم، لا الترفّع عن ذلك بذريعة أنّ الأدب يجب أن يتناول قضايا عالمية، وهي قضايا تختصر مهمتها لدى هؤلاء في تناسي القضايا المحلية والهروب من مرايا الذات والحقائق والوقائع فيها.

حين ينطلق الأديب من إيمانه وقناعته بعمله ودوره لن يحتاج إلى أيّة مقولات أو شعارات تبعده عن نفسه ومجتمعه، بل سيكون لصيقا أكثر بمكانه وأهله، وسيحقّق عبوره الزمنيّ والمكانيّ من دون حاجة إلى أيّة ترفيعات أو ترقيات من أحد، لأنّ ترقيته تتمثّل في عمله الصادق وإيمانه العميق بما يقوم به.

كاتب من سوريا

15