أدب غير أعزل

الأربعاء 2014/04/30

حين نكتب هل لأننا عاجزون عن الفعل؟ ربما الوجود لن يمّحي في حالة عدم التعبير لكنه بالتأكيد سيمّحي عندما نعجز عن تحصينه، يمكن أن نختصر الحياة في صورتين: “صورة سفينة نوح”، وصورة السارد في عدد كبير من التحف الروائية التي قد نتذكر منها بقوة تحفة “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست، أو “الحرب والسلام” لليون تولستوي، نوح اختار أن يحصن الأنواع في سفينته، من فصائل البشرية والحيوان، لم ينقذ تحفة ولا نقشا ولا حتى حجرا عزيزا.

وحين غرقت أوروبا في الدماء باتت الكتابة دينا مؤجلا، ناب عن الفعل فيها كتاب اختاروا أن يكونوا هناك عبر اللغة… هل تذكر عزيزي القارئ قطرة دم سفكها نابليون بونابارت المجيد، في ربوع أوروبا؟ قد لا تذكر أيّ فاجعة ولا صرخة حية، فقط ستذكر تعابير الروائي ستاندال في “دير بالم” أو”الأحمر والأسود: التي لا تمجّد الدم، ولكن تسيغ بنوع من التخييل الشاسع بطولة الإمبراطور.

لكن مع ذلك حمل روائيون وشعراء وفنانون كثر السيف والرمح والبندقية، في سياقات حامية عديدة، إنما ليس معنى هذا أن الأدب مسلح، الأدب أعزل عزيزي القارئ، أستحضر كل هذا فقط لأن التعبير بات مضطهدا في حراكنا العربي اليوم، فبعد كل الدماء التي سالت وكل المقاومات، والصمود، بات الجدار القصير دوما هو التعبير الأدبي والفني، لقد نعت دوما بالمخملية أو بالحياد أو النفي الذاتي.

لكن لنتأمل الأشياء في عمقها، ولنراجع حجر الأساس، بعيدا عن عشق المأساة أو الملهاة،… ربما التعبير الأدبي شيء لا يمحو مسألة الوجود في خندق هنا أو هناك، هو وجود لا ينوب عن الفعل، لكنه هو الصورة التي تتجلى قبل وبعد.

اليوم هناك من ينوب عن الدكتاتور، ببلاغة، وهناك ومن يقدّم كفنه وكفن نواته الصغرى والكبرى، معا فداء للقضية، وفي الحالتين معا القول ليس تعبيرا عن العجز، هو الفعل كله. هل التعبير -إذن- هو الفعل؟ بل هو أقوى منه، فعلا، لا تسيل من الأحرف الدماء القانية، لكنها تسكن تلك الدماء وتنطقها، وتمنحها حياة أخرى؛ حين قتل طرفة والمتنبي كان الأدب غير أعزل بتاتا، نطق بالحال وكان أقوى من العيش.

وحين أقرأ اليوم قصائد أحمد فؤاد نجم، لا أحتاج إلى ملخص للمأساة المصرية، لم يكن مفاجئا لي أن يكون التعبير الأول والأخير عن الثورة المصرية تلك القصائد التي كتبت قبل عقد أو عقدين… عندما استقال الدكتاتور كنا جميعا نحفظ فقط تلك الجملة البليغة التي تقول: “مصر يمّا يا بهية”. هو سطر كتب قبل زمن لكنه بات كناية عن ثورة، وحين استمعت إلى نشيد نوري الجراح عن الملحمة السورية، كانت المجزرة لم تأخذ مداها بعد، كان القول مستبقا للمأساة، ومرثية للهدية الحديدية الأخيرة، لكنه كان مخضلا بالأحمر، يحسن الوقوف في المتاريس.


كاتب من المغرب

15