أدب غير يساري

الأربعاء 2015/04/29

حين صرفت تعويضات محترمة لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب مطلع الألفية الجديدة، ارتفعت أصوات عديدة تستنكر قبول رموز فكرية وأدبية تعويضا ماليا عن نضالاتها، كانت صدمة لها تبعاتها في سياق التداولات الاجتماعية لمسار العدالة الانتقالية، تفهم الجميع أن يقبل مناضلون سياسيون تعويضا عن عذاباتهم وخساراتهم المادية والجسمانية، لكن رأيا جماعيا رافضا تواتر بشراسة بعدما قبل شعراء وروائيون ونقاد وسينمائيون، ذهبوا بجريرة الرأي، قيمة التعويض، وكأنما الأدب فدية لا تستوجب التطريب.

بعدها ستنشأ ظاهرة غريبة في مسار تلقي أدب المعتقلين والمنفيين السابقين، والأدب المعارض عموما، في السياق المغربي، الذي يجد له أشباها ونظائر عديدة في السياق العربي، تسعى إلى أن ترهن أصحاب هذا الأدب المقاوم بالزنزانة وبالمنفى، وبشظف العيش، وبتعبير أشف أن يبقى ذلك الأديب المسحوق رهين ما وقع له، وما كتب عنه، وما انتصر له من قيم، يفطر بكأس شاي ورغيف قبل لقاء ثقافي، ثم قد يتغذى بشاطر ومشطور وبينهما كامخ، على حدّ تعبير مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دونما قهوة مضافة، ثم قد يترك على قارعة الطريق بعد أن يفرح به العطشى لشهوة الرفض.

لكن عزيزي القارئ رجاءً، يجب أن تتفهم أن الأدب ليس يساريا بطبعه، هو منذ الأزل ممسوس بلوثة الرفاه الطبقي، لهذا ابتدع قاموسا طويلا عريضا في وسم المهمشين، والازدراء بهم، وحين اصطنع أقنعة لوعي ضدي، في سياقات خاصة، جعل لها حدودا لا تتجاوز الكلمات إلى الحياة الشخصية، ثمة دوما شهوة للأناقة والرفعة وفائض الإنتاج في المعاني كما في المطعم والمشرب والمأنس، لهذا أتفهم دوما وضعية أدباء نعتوا باليساريين، ممن دجنوا السيجار الفاخر والنبيذ الرفيع وأدخلوه بيئة الكلمات السوقية… أتفهم وضعهم دوما لأني أدرك أن الأدب انحياز للوجدان الذي فيه سنبلات كثيرة لا تطيق اليباس.

طبعا لقد كان دوستويفسكي مقامرا كبيرا، يقبض مالا محترما قبل كتابة روايات عدة، لإيمانه العميق أن الكلمات ولو تم تصريفها بعشرات الروبلات الروسية، لا تكفي لنهم الحبور، قد تكون مستوفية فقط لمبدأ التسبيق على طاولة القمار، أما الأجر المنصف فهو ما قد يجود به الحظ بعد الرهان، هو الكفيل فقط بتغطية تكاليف السفة في التأنق الحسي الذي لا عوض له في إطعام المخيلة.

أستحضر كل هذه الأفكار بعد كل تلك الانفلاتات المزرية التي صدرت بحق صاحب: “عدى النهار” عبدالرحمن الأبنودي، والتي تطالبه بأن يبقى حارسا للأشواك السلكية في بور سعيد. طبعا لم يؤكد يوما أنه يساري، كان صاحب بلاطات، وصوتا متعدد الضمائر يمينا وشمالا، بيد أن أصفياءه اليساريين الخلص كانوا شفعاء أوفياء له، قاسموه محبة الرفاه الأنيق في المطعم والمشرب والمأنس، في المنشط والمكره.

كاتب من المغرب

15