أدب مثير للجدل يفضح الوجه المظلم للتاريخ الأفريقي

رواية "واجب العنف" للكاتب المالي يامْبو أولوغيم تكشف أن العبودية ليست ذنب الرجل الأبيض وحده، وأن الأفارقة أيضا مارسوها.
الخميس 2020/01/30
لأفريقيا أكثر من وجه

كثيرا ما نعترض على الكتب التي تفضح حقيقة أوضاعنا، لاسيما إذا كتبت بلغة أجنبية، لقارئ أجنبي، ونحكم بأن ذلك يثبّت الصورة التي يرسمها الغرب لنا، فندينها كما ندين استعمار الغرب للشعوب المغلوبة على أمرها، والجرائم الفظيعة التي ارتكبها ضدها، خاصة في أفريقيا، من شمالها إلى جنوبها، ولكن ما موقفنا إذا أكد مؤرخو هذه القارة وكتّابها أن الجرائم قبل الاستعمار كانت أشدّ فظاعة؟

عام 1968، صدرت في فرنسا رواية “واجب العنف” لكاتب مالي شابّ يدعى يامْبو أولوغيم (1940-2017) توّجت بجائزة رينودو، ثم صودرت لاحتوائها على جمل ومقاطع لكتاب معروفين، قال الكاتب إنه وضعها بين معقفين، ولكن الناشر "سُويْ" حذفها دون استشارته.

ورغم سحب الرواية من المكتبات الفرنسية لمدة ثلاثين سنة، فإنها ظلت حاضرة في أذهان كل مهتم بالتاريخ الأفريقي، من مؤرخين وكتاب وباحثين، ذلك أنها تخالف التاريخ الأفريقي الرسمي كما يروى في المحافل، ويُتداول في الكتب ووسائل الإعلام، ويدرَّس في المؤسسات التربوية.

الجرأة تسبب الاتهام

تسرد رواية “واجب العنف” حكاية سلالة آل سيف، وهي أسرة تمارس التوحيد وعبادة الأصنام، نصفها يهودي ونصفها مسلم، كانت على رأس إمبراطورية متخيلة تدعى ناكيم، ومن خلالها يصف الكاتب تاريخا أفريقيا لا يؤدي النظام الإقطاعي فيه إلى نهضة، بل إلى فترة دموية ينتشر فيها الاسترقاق بكل أشكاله، من الإذلال المعنوي والمادي إلى الاتجار بالبشر.

وقد تميز أخلاف تلك الأسرة بعجزهم عن الحكم، وخمولهم، ولجوء بطانتهم وحاشيتهم إلى أعمال شنيعة يُزَجّون بها أوقاتهم، ولم يتورع أولئك الحكام عن التحالف مع تجار الرقيق من العرب والأوروبيين لبيع رعاياهم، حتى دخول المستعمرين الفرنسيين، الذين تحالفوا مع حكومة فتية تشكلت في فرنسا.

في أفريقيا ثمة تواصل بين السلطات المنحرفة في المرحلة الاستعمارية وبين الفاسدين الذين جاء بهم الاستقلال

وكانت فترة حكم آخر ملوك تلك الأسرة، سيف بن إسحاق الهيت، أكثرها فظاعة. فبعد انهزامه أمام القوات الفرنسية، استعمل عبيده لفرض سلطته، ولجأ إلى تعذيب كل من يهدد مجتمعه البدائي. وقد اتّخذ الكاتب من العائلة الحاكمة وشخصية سيف نماذج بيّن من خلالها أن تاريخ أفريقيا ما قبل المرحلة الكولونيالية لم يكن مسكونا بالبطولات الأسطورية وحدها، وأن الحروب القبلية والاسترقاق والفساد كانت منتشرة قبل الاستعمار، ما جعل روايته مراجعة لما استقر في ذاكرة الشعوب الأفريقية ووجدانها، رغم أن الإمبراطورية التي يتحدث عنها من وحي الخيال. وهي بذلك تناقض تماما الأدب الأفريقي المناضل الذي يتغنى بالتربة الأفريقية، والشعر السنغوري الذي يهيب بالزنوجة ويعلي قيمها.

ومن الطبيعي أن يوصم الكاتب بعدئذ بكل النعوت، ليس في أفريقيا وحدها، بل حتى في العالم العربي، فقد وصفته المصرية رضوى عاشور في كتابها “التابع ينهض، الرواية في غرب أفريقيا” بكونه “مُصابا بكراهية الذات” وحتى “بالميزانثروبية أي كراهية البشر”، مثلما وصفت روايته بـ”كتاب مريض”، وذكرت أن منحه جائزة يدخل في ما أسمته الإرهاب الثقافي الغربي الذي يمارس “الإعلاء من شأن كاتب والحط من شأن كاتب آخر”. ولو كان الأمر كذلك لما رصدت مالي جائزة أفريقية باسمه، وما لاذ هو بالصمت حتى وفاته في بلاده التي عاد إليها نهائيا منذ عام 1970، فالرجل لم يكتب رواية خيالية صرفا بغرض الإساءة إلى بلده وقارته وبني جلدته، بل اعتمد عدة مراجع تاريخية، ذكر بعضها في مؤلفه.

لئن اتهمه سنغور بالخيانة، فإن أولوغيم وجد السند لدى كتاب آخرين مثل الكونغولي ألان مابانكو الذي عدّ الرواية إعلانا عن ولادة النقد الذاتي في الآداب الأفريقية، بينما أدرجها المفكر الكاميروني أشيل امْبيمْبي ضمن تيار ما بعد الحداثة الأفريقية مع أعمال أحمد كوروما، وصوني لابو تانسي، ومونغو بيتي، أي تلك التي صورت خيبة الأفارقة بعد خروج الاستعمار ووصول إخوتهم إلى السلطة، واعترف بأنه تأثر بها في صياغة كتابه “من مرحلة ما بعد الكولونيالية”، ورأى أن مؤلفها بيّن “أن ثمة تواصلا بين السلطات المنحرفة في المرحلة الاستعمارية، وبين الفاسدين الذين جاء بهم الاستقلال”.

إنصاف الكاتب

كتاب مخالف للتاريخ الأفريقي الرسمي
كتاب مخالف للتاريخ الأفريقي الرسمي 

الحق أن الكتاب الأفارقة، منذ أن بدؤوا يمارسون الأجناس الأدبية في أشكالها الحديثة، ركزوا اهتمامهم على تصوير نضال شعوبهم ضد المستعمر واحتفائها بطرد الغاصب. والكتب القليلة التي تناولت الاسترقاق والعنف المسلط على تلك الشعوب عملت على إدانة جرائم الرجل الأبيض في حق السود، ومطالبته بتعويضات عما اقترفه من جرائم ضد الإنسانية، ولا حديث عن دور الأفارقة أنفسهم في العسف والاستعباد وتجارة الرقيق إلا في كتب المؤرخين الأجانب.

 إلا أن الأعوام الأخيرة شهدت أصواتا تدعو إلى مراجعة تاريخية، والاعتراف بدور الأفارقة في الجريمة، نذكر من بينهم الوسط أفريقي إتيان غويميدي في “آخر الناجين من القافلة”، والكاميرونية ليونورا ميانو في “موسم الظل”، ويامبو أولوغيم بطبيعة الحال، إلى جانب فرنسيين وفرنسيات من أصول أفريقية كالغوادالوبية ماريز كوندي الفائزة بجائزة نوبل البديل العام الماضي. رجال الدين أيضا اعترفوا بجرائم السود في حق إخوانهم، فقد نشر الأساقفة الأفارقة المجتمعون بجزيرة غوري السنغالية في أكتوبر 2003 إعلانا يطلبون فيه “صفح أفريقيا عن أفريقيا” جاء فيه “لنبدأ بالاعتراف بنصيبنا من المسؤولية في بيع الإنسان الأسود وشرائه، في الأمس واليوم… لقد شارك آباؤنا في تاريخ الخزي الذي مثله الاتجار بالسود واستعبادهم”.

أما المؤرخ المالي تيديان دياكيتي، فأكد ما ذهب إليه أولوغيم، وأثبت بالوثائق أن الملوك الأفارقة كانوا أشد المعترضين على دعوات إلغاء العبودية التي اجتاحت بريطانيا، لأن في الإلغاء زوالا لتجارة مربحة استعاضوا بها عن صناعاتهم التقليدية طيلة قرون، بل إن القارة الأفريقية شكلت أقوى معاقل الصمود أمام قانون إلغاء العبودية، وهو ما عناه المؤرخ البنيني فليكس إيروكو في قوله “تَشْييئ الإنسان الأبيض للإنسان الأسود كان امتدادا لامتهان أشدّ وطأة مارسه عليه سود آخرون”.

بقي أن نقول إن التاريخ أنصف أولوغيم، فقد صدرت روايته عن نفس الدار في طبعة جديدة عام 2003، وفي طبعة ثالثة عام 2017، أي السنة التي توفي فيها، وكانت مناسبة كي يحيّي النقاد والكتاب والدارسون هذا الأثر الرائد، ومؤلفه الذي لم يهدف إلى إدانة الأجداد، بقدر ما سعى إلى فهم ما جرى.

15