أدعياء الفن

من السهل أن نتحدث عن قدرة الفن على تعرية الواقع المرّ، ولكن أي تعرية في عرض لم تَرْقَ رسالته إلى صورة الطفل أيلان كردي وقد ألقت الأمواج بجثته على شاطئ غريب.
الخميس 2018/12/20
لقطة من المسرحية السورية "يا الكبير"

فوجئ جمهور أيام قرطاج المسرحية الأخيرة، بظهور بطل إحدى المسرحيات المشاركة عاريًا تمامًا طيلة ربع ساعة من عمل استغرق ساعة وعشر دقائق. المسرحية لسوري مقيم بألمانيا فسّر تعرّيه على الخشبة بكونه تصويرًا لمعاناة الشعب السوري وإدانة لسفّاح أفقد السوريين كل شيء، حتى حرمتهم الجسدية.

وقد أثار ذلك المشهد جدلا حاميا، بين معترض ومؤيّد. فريق رأى أن الفن لا يخضع لبوليس الأخلاق الحميدة، وأن حرية التعبير لا حدود لها، وأن العامة تخطئ حين تسوي بين الإنسان العادي في الفضاء العام، وبين ممثل يؤدي دورا يُلزمه بضرورات فنية، بوصف الجسد أداة الممثل ووسيلته لتبليغ رسالته. بل إن منهم من نعت موقف المستائين من العرض بالظلامية والسلفية، ودعا من لا يروقه العري إلى أن يلزم بيته.

أما المعترضون، فقد شّددوا على الحياء كقيمة أخلاقية لا يصلح المجتمع من دونها، وذكّروا بأن المسرح فن ينمي الوعي ويسمو بالذوق ويعلي القيم السامية، وعابوا على إدارة المهرجان عدم تنبيه الجمهور إلى مسألة العري كما تفعل القنوات التلفزيونية التي تبث أفلام “البورنو” كي يُقبِل أو يُدبِر.

وبصرف النظر عن موقفنا من حرية التعبير، هل هي مطلقة أم محددة بمعايير موضوعية لا يتضمنها قانون، فإننا نلاحظ أن المسرحية حادت عن غايتها السياسية والنضالية التي أرادها لها المخرج السوري، لينصبّ الجدل على العري وجوازه في المسرح من عدمه، مثلما نلاحظ أن الذين دعموا تأييدهم لظهور الممثل عاريا على الخشبة بأمثلة سابقة في المسرح الأوروبي، تجاهلوا ردة الفعل التي قوبلت بها تلك العروض من النقاد والجمهور على حدّ سواء، في بعض البلدان الأوروبية كفرنسا وإنكلترا وخاصة أيرلندا، حيث رفع الناس قضية وطالبوا بغلق المسرح بتهمة التظاهر بما ينافي الحياء.

من السهل أن نتحدث عن قدرة الفن على تعرية الواقع المرّ، ولكن أي تعرية في عرض لم تَرْقَ رسالته إلى صورة الطفل أيلان كردي وقد ألقت الأمواج بجثته على شاطئ غريب، أو صورة الطفل حمزة الخطيب وقد مزّق أوصالَه شبّيحة بشار؟

إن الاستهتار، الذي يسميه بعضهم جرأة، ليس غريبا على الفن، فما هو إلا وسيلة للتغطية على خواء التجربة. وحسبنا أن نستحضر سيارة برتران لافيي المهشمة، وأسمال كريستيان بولتانسكي البالية، وتيار “فلوكسوس” الذي نادى باللّافن… إلى آخر قائمة أدعياء الفن.

أما عن موقف المنافحين عن تلك المسرحية فنذكّرهم بما قاله مارسيل دوشان: “رميت على رؤوسهم محمل القوارير والمبولة كعملين استفزازيين، فإذا هم يشيدون بما فيهما من جمال”.

15
مقالات ذات صلة