أدنوك تستقطب مليارات الدولارات بعيدا عن ضجيج طرح أرامكو القياسي

استراتيجية شركة أدنوك الإماراتية تتحدى نموذج الأعمال التقليدي  لاستقطاب الاستثمار الخارجي.
الجمعة 2020/01/17
إدارة بعقلية مستقبلية

أكد محللون أن اتخاذ شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) قرار الدخول في شراكات استراتيجية واستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، شكل نقطة فارقة في سياسات الانفتاح خلال السنوات الثلاث الأخيرة، قياسا بعملاق النفط السعودي أرامكو، الذي راهن على تحقيق أكبر استثمارات ممكنة من خلال طرح أسهم الشركة في البورصة المحلية.

أبوظبي - ظل الحديث يدور حول أرامكو السعودية والإثارة، التي أحاطت بمسعاها التاريخي لاجتذاب استثمارات دولية من خلال قيامها بأكبر طرح في العالم، غير أن شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، نظيرتها النفطية في منطقة الخليج، عمدت دونما ضجة إلى استقطاب الاستثمار الخارجي وحققت جهودها نتائج واعدة مقارنة
بأرامكو.

وكان اقتصاد أبوظبي تأثر مثل اقتصاد السعودية بهبوط شديد في أسعار النفط في منتصف العام 2014 الأمر الذي كان سببا في إطلاق حملة لتقليل الاعتماد على النفط الخام. وكان أحد أعمدة هذه الحملة إصلاح شركة أدنوك التابعة لحكومة أبوظبي وتحديثها واستقطاب استثمارات أجنبية.

وعلى النقيض من سعي عملاق النفط أرامكو لإدراجها في سوق الأسهم في خطوة حظيت بدعاية واسعة واهتمام كبير، اتجهت أدنوك إلى نهج أكثر تدرجا في سعيها لجذب الأموال ولم يمعن خبراء الصناعة النظر في تفاصيل نشاط أي من الشركتين.

ديمتري مارينشينكو: استراتيجيات التمويل لدى كل من أدنوك وأرامكو مختلفة
ديمتري مارينشينكو: استراتيجيات التمويل لدى كل من أدنوك وأرامكو مختلفة

لكن أدنوك جمعت أكثر من 19 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية من مستثمرين في الخارج، وفقا لحسابات رويترز بناء على البيانات المنشورة عن حجم الاستثمارات ورسوم التوقيع ومبيعات الحصص.

ويعادل ذلك ثلثي المبلغ الذي جمعته أرامكو السعودية والبالغ 29.4 مليار دولار في أكبر طرح عام أولي في التاريخ. ورغم هذا الطرح القياسي في ديسمبر بيع أغلب الأسهم الى مستثمرين محليين بعد أن أحجمت المؤسسات الأجنبية عن الشراء بالقيمة المطروحة.

وعلى سبيل المثال، أبرمت أدنوك، التي تورد ما يقرب من 3 بالمئة من الطلب العالمي على النفط، صفقات مع بلاك روك أكبر شركة في العالم لإدارة الاستثمارات ومع شركة كيه.كيه.آر الاستثمارية الأميركية فيما يمثل خطوة نادرة للاستثمار في شركات النفط الوطنية في الشرق
الأوسط. كما باعت أدنوك حصصا في بنيتها التحتية من خطوط الأنابيب وأنشطة التكرير.

وقال ديمتري مارينشينكو المحلل لدى مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني لرويترز إنه “في حين تهدف الشركتان للاقتداء بنموذج شركات النفط الكبرى من خلال التوسع في أنشطة المصب والتجارة والبتروكيماويات فإن استراتيجيات التمويل لدى كل منهما مختلفة”.

وأضاف “أرامكو تجمع الأموال في الأساس من خلال الاقتراض التقليدي بينما تستخدم أدنوك أشكالا أكثر تعقيدا من التمويل بما في ذلك بيع حصص أقلية في شركات تابعة لها. وأدنوك أكثر انفتاحا على التعاون مع الشركاء الدوليين”.

وكانت أدنوك قد أبرمت مع أرامكو اتفاقية للاستثمار في نوفمبر 2018 بمجال الغاز الطبيعي والمسال، في إطار جهود لتحقيق أقصى العوائد من ثروات الطاقة، بعد خططهما السابقة للتحول من تصدير الخام إلى مشاريع
التكرير.

ولم يتضح بعد أي النهجين في استقطاب الاستثمارات سيحقق نجاحا أكبر في السنوات المقبلة. غير أن قدرة الشركتين على المحك في ما يتعلق بالنجاح في تنويع الموارد دون الاعتماد على إنتاج النفط الخام وبصورة أشمل للاقتصاد المحلي المعتمد عليهما في تجاوز صدمات أسعار النفط.

وقالت حليمة كروفت العضو المنتدب لشركة آر.بي.سي كابيتال ماركتس إن “التحدي الأكبر هو الضبابية في النظرة المستقبلية للنفط والتدقيق الدولي المتزايد الذي تواجهه شركات الطاقة كلها بسبب التغير
المناخي”.

شراكة واعدة
شراكة واعدة

ويقود الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي حملة إصلاح منذ 2016 عندما انخفضت أسعار النفط إلى 30 دولارا للبرميل مما قلص إيرادات الدولة وكشف عن مدى حساسية موازنة أبوظبي لتقلبات الأسعار.

وعيًن ولي عهد أبوظبي حليفه سلطان الجابر رئيسا تنفيذيا لأدنوك ضمن خطة لإعادة هيكلة الشركة لزيادة كفاءتها وجعل أدائها أقرب إلى أن يكون لشركة نفط كبرى أكثر من شركة احتكارية تابعة للدولة.

وسرعان ما شرع الجابر في تنفيذ خطط لتغيير قيادات أدنوك واستغنى عن 5 آلاف موظف أغلبهم من الأجانب من بين العاملين في الشركة وعددهم 60 ألفا.

غير أن تغيير مسار شركة تعتبر من أكثر المؤسسات تحفظا في المنطقة ليس بالمهمة السهلة. إذ يعتمد إنتاج أدنوك على امتيازات ترجع إلى عشرات السنين لدى شركات نفط غربية كبرى بعضها يعمل في الإمارات منذ 1930 كما أن من النادر إبرام صفقات جديدة أو جلب استثمارات أجنبية.

وفي أبريل 2016 وبعد شهرين من تعيين الجابر قام الشيخ محمد بن زايد بزيارة نادرة لمقر أدنوك الرئيسي لتنبيه المديرين والعاملين.

وكانت رسالته ومطالبته بتغيير حاد في ثقافة الحق المكتسب أمرا غير متوقع في بلد يتوقع فيه أغلب المواطنين وظائف مضمونة من الدولة وتأمينا طويل الأجل.

حليمة كروفت: التحدي الأكبر  أمام الشركتين هو ضبابية آفاق مستقبل النفط
حليمة كروفت: التحدي الأكبر  أمام الشركتين هو ضبابية آفاق مستقبل النفط

ونقلت عنه هيف زمزم النائب الأول للرئيس لتطوير ودعم الأعمال بالشركة قوله للعاملين في اللقاء الذي حضرته في أدنوك إن عليهم أن يتخلوا عن شعورهم بالحق المكتسب وإنه لم يعد من الممكن ربط الإمارات بتقلبات أسعار النفط سواء كانت 30 دولارا أم 100 دولار للبرميل.

وقالت هيف، التي سبق أن عملت مع الجابر في شركة مبادلة الاستثمارية الحكومية، “هو (الشيخ محمد بن زايد) قال قدم لي بيان سيرتك وأظهر لي خبرتك وبيًن لي ما تستطيع فعلا أن تفعله وأمامك فرص عظيمة”.

وقال مصدر بصناعة النفط في الإمارات “اعتاد الناس المجيء إلى أدنوك لتسجيل حضورهم وانصرافهم الساعة الثانية بعد الظهر وهم يتوقعون أيضا أن يعمل أولادهم في الشركة. لم يعد هذا هو الحال”.

وكُلف الجابر، وهو وزير للدولة ورئيس تنفيذي سابق في وحدة الطاقة التابعة لمبادلة وحاصل على درجة الدكتوراه في الأعمال والاقتصاد، بجعل أدنوك تحقق أرباحا كافية للإسهام في ميزانية الإمارات حتى في حال انخفاض أسعار النفط.

وقال لرويترز في مقابلة بمكتبه في الدور الثالث والستين بمقر أدنوك “أردنا تحدي نموذج الأعمال التقليدي لشركة النفط الوطنية”. وأضاف “لتبسيط الأمر .. نحن نعمل على أقصى استفادة بالدولار من كل برميل ننتجه”.

ولا تنشر أدنوك نتائجها المالية لكن التغييرات أعجبت المستثمرين فيما يبدو. وقال متحدث باسم شركة كيه.كيه.آر الأميركية إن استثمار الشركة في 2019، وهو الأول لها كاستثمار مباشر في المنطقة، يرجع إلى إصلاحات أدنوك.

وأقامت أدنوك شراكات جديدة مع شركات أوروبية وآسيوية للطاقة مثل إيني الإيطالية وسي.أن.بي.سي الصينية لزيادة أعمالها في مجالات النفط والغاز والتجارة وكانت أول شركة أجنبية تبرم اتفاقا لتخزين النفط ضمن الاحتياطيات الاستراتيجية في الهند.

وفي السعي للاقتداء بشركات النفط الكبرى اجتذب الجابر موظفين من شركات توتال ورويال داتش شل وبي.بي لإطلاق عمليات تجارية جديدة. كما قاد تغيير الأسلوب الذي تخطط به أدنوك لتغيير الطريقة، التي تحسب بها أسعار نفطها بتأسيس سعر قياس جديد للخام.

وفاجأت وتيرة الإصلاحات العاملين بالصناعة. وقال كلاوديو ديسكالزي الرئيس التنفيذي لإيني وأحد أحدث شركاء أدنوك “هو (الجابر) بدل حال الشركة تماما”.

وشدد الجابر على أن الإصلاحات مستمرة. وقال إن “أدنوك تعتزم استثمار 45 مليار دولار في توسعة عملياتها في مجالي التكرير والبتروكيماويات مع شركاء وتتطلع لزيادة حصتها في السوق العالمية للنفط الخام والوقود”. وأضاف “لا نريد التمسك فقط بما هو معروف أو بالشركاء التقليديين. لا نريد أن نترك بابا دون أن نطرقه”.

10