أدهم إسماعيل رسام الرؤى الرافدينية المتخم بعروبته

الأحد 2016/09/11
أدهم إسماعيل نموذج الفنان وقد استولت عليه الفكرة

لندن - بالرغم من أنه لم يعش طويلا غير أن السنوات التي قضاها أدهم إسماعيل رساما كانت زاخرة بالعطاء الفني، بما عُرف عن الفنان السوري الرائد من تنوع في الأساليب والموضوعات.

شيء عظيم منه يبقى

في سياق ذلك التنوع كان رسام الطبيعتين الحيّة والجامدة هو نفسه الرسام التجريدي الذي استلهم جماليات الحرف العربي مقتديا بزميله محمود حماد، بعد أن صارت الحروفية مشروعا لإحياء الهوية القومية في الفن.

ورسام المرأة، الذاهب بالغزل إلى أقصى الفتنة كان في الوقت نفسه رساما رمزيا، اتخذ من الموضوعات الوطنية ضالته في التعبير الذي يغلب عليه الطابع الأدبي.

ولأن ذكره اقترن بذكر شقيقه الكاتب المتمرد صدقي إسماعيل فقد كان التفسير الأدبي لأعماله قد ألهم الكثير من نقاد الفن طريقة قد لا تكون صحيحة في قراءة تلك الأعمال.

غير أن ما لا يجب القفز عليه حقيقة أن السياسة كانت قد التهمت الجزء الأكبر من وعي وتفكير وانشغالات الفنان. فابن الإسكندرونة وهو اللواء السوري الذي اغتصبته تركيا هزّ فشل الوحدة بين سوريا ومصر كيانه.

لقد أعادته واقعة “الانفصال” إلى ذكرى القطيعة التي وقعت بينه وبين المكان الذي شهد ولادته. غير أن عمق صلته بالتاريخ من خلال دراسته للموروث الجمالي وهبه قدرا من الهدأة وهو يتأمل العيون السومرية.

وكما أرى فإن أدهم إسماعيل من خلال عودته إلى التراث الرافديني قد سبق الفنانين العراقيين والسوريين في هذا المجال. وليس من باب المجازفة النقدية القول إن تأثير إسماعيل كان قويا على الفنانين الذين سعوا إلى تأكيد هويتهم من خلال العودة إلى مفردات الفن الرافديني.

عودته إلى التراث الرافديني يسبق بها أدهم إسماعيل الفنانين العراقيين والسوريين معا. وليس من باب المجازفة النقدية القول إن تأثير إسماعيل كان قويا على الفنانين الذين سعوا إلى تأكيد هويتهم من خلال العودة إلى مفردات الفن الرافديني

لقد أبدع أولئك الفنانون باقتراحاتهم الجمالية، ومن المؤكد أن البعض قد تفوق بسبب تطور خبرته على أدهم إسماعيل نفسه، غير أن ذلك البعض ما كان له أن يفعل ذلك لولا ما أنجزه الفنان السوري.

شيء عظيم من تاريخ الأسلوب الفني يشير إلى أهمية أدهم إسماعيل.

مستشار حلمه القصير

عام 1922 ولد أدهم بن علي إسماعيل في أنطاكية بلواء الإسكندرونة الذي كان سورياً يومها، قبل أن يتم اغتصابه من قبل تركيا. كشف عن موهبته الفنية في وقت مبكر من حياته متأثرا بأخيه من أبيه الذي كان خطاطا معروفا في أنطاكية.

التحق عام 1945 بكلية الحقوق التي تركها بعد عامين ملبيا لنداء نزعته الفنية التي ظلت تدور حول نفسها في سياق عبثي إلى أن أنقذته منحة من الحكومة الإيطالية فالتحق عام 1952 بكلية الفنون الجميلة بروما لدراسة فن لفريسك والميدالية. يومها حرص إسماعيل على دراسة الفنون الزخرفية في معاهد خاصة في دراسة مجاورة. وهو ما سيلقي بظلاله على أسلوبه الفني، الذي كان يميل إلى التعبير المقتضب من غير أن يمتنع عن بعض ممّا تسمح به الزخرفة من ثراء جمالي.

حين عودته إلى وطنه عمل مدرّسا في عدد من المدارس الثانوية في دمشق وحلب إلى أن انتقل إلى كلية الفنون الجميلة ليدرّس هناك. كانت الوحدة بين مصر وسوريا حلم حياته فعمل في إطارها مستشارا لوزارة الثقافة.

هل أرقته الوحدة بحيث كان الانفصال سبب موته؟ توفّي أدهم إسماعيل في دمشق عام 1963. لقد مات كمدا بعد سنتين من انطفاء حلمه الوحدوي. وإذا ما عدنا إلى فنه فقد كان ذلك الفن مسكونا بمسألة البحث عن الهوية من غير أن يحتكم إلى إطار عقائدي، وهو ما جعل الفنان يقبل على الوحدة بعيدا عن الأطر العقائدية.

بعث الحياة في المفردات الجمالية التراثية

كانت الوحدة تمثل بالنسبة إليه استنتاجا جماليا يؤكد صحة ما توصّل إليه في الفن. “هناك إذن فن عربي” وهو ما كان يفكر فيه جيل من الرسامين السوريين. لم يكونوا سياسيين، غير أن السياسة لعبت بعاطفتهم.

الأكثر عروبة من حزبيي العروبة

مثل أخيه صدقي كان أدهم لا يخفي منذ البدء نزعته القومية، وهي نزعة دفعته إلى أن يساهم بقوة في تجديد لغة التعبير الفني في سوريا، لكن من منطلق تأصيل تلك اللغة وذلك من خلال مزج الروح العربية المعاصرة بالخزين الجمالي التراثي، وهو ما دفعه إلى الاهتمام بفنّي الخط العربي والزخرفة الإسلامية، إضافة إلى اهتمامه بمفردات الفن الرافديني القديم.

عام 1942 شهد العرض العلني الأول لرسوم أدهم إسماعيل. حدث ذلك في معرض جماعي أقامته الجمعية العربية للفنون في معهد الحرية بدمشق وضم لوحات لرسامين صاروا في ما بعد رموزا للحداثة الفنية هم سعيد تحسين، محمود جلال، نصير شورى، محمود حماد وألفرد بخاش.

كان قبل ذلك قد تعرف على الشاعر سليمان العيسى ليجد فيه مرآة لأفكاره في النضال من خلال توظيف الفن لخدمة القضايا القومية.

أما حين التقى في حلب بالمفكر السوري زكي الأرسوزي، وهو واحد من أهم صناع الفكر القومي العربي الحديث، فقد حسم أدهم أمره قوميا، فصار تلميذا للرجل الذي ألهمت أفكاره ميشيل عفلق في تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي.

كان مسكونا بالأمل في استعادة العرب لدورهم الحضاري ولمكانتهم الخلاقة بين الأمم، وكان مؤمنا أن الثقافة هي الطريق الأمثل لتحقيق ذلك الأمل. عام 1951 وقبل سفره إلى روما خطب في جمع المحتفلين بمعرض تلامذته قائلا “يجب أن ننشئ جيلا من الفنانين الشباب، يقتبس أروع ما في فنون الغرب وأعمق ما في روحانية الشرق. يجب أن نخلق فنا عربيا جديدا يضاهي أعظم المدارس الفنية في العصر الحاضر وليس ذلك ببعيد”.

أدهم إسماعيل رسام المرأة الذاهب بالغزل إلى أقصى الفتنة

في ذلك العام رمز أدهم لوحته الشهيرة “العتال والحمال” وهي التي اعتبرها النقاد القاعدة التي انطلق منها الفن الاجتماعي.

أما حين زار أسبانيا فكان يختال مثل طاووس بين أروقة قصر الحمراء كما لو أنه أراد أن يفهم السائحين بأن أجداده هم من فعل كل هذا. كتب إلى أخيه صدقي رسالة من هناك يقول فيها “رأيت الحمراء والأسود التجريدية التي نحتها فنان ضائع، ورأيت السياح يسألون في دهشة من صنع كل هذا؟”.

من هنا يمكننا أن نفهم لمَ ضربه فشل النظام السياسي العربي بمقتل وهو المفتون بعروبته، من جهة كونها درجة من درجات الجمال الإنساني. مثل أخيه لم يكن حزبيا قوميا، غير أنه من خلال فنه كان أكثر عروبة من الحزبيين.

الفنان ورومانس القومية

حين يُذكر أدهم إسماعيل فإن الحديث يذهب إلى استحضار الأخوة إسماعيل وهم أربعة “أدهم وصدقي وعزيز ونعيم” الأشقاء الذين لعبوا دورا كبيرا في النهضة الأدبية والفنية التي شهدتها سوريا في عهد الاستقلال.

كانوا قوميين بعمق وهو ما جعلهم يتحمسون لوحدة سوريا مع مصر. حينها كان هناك شيء من الفطرة والتلقائية في نزعتهم القومية.

من المؤكد أن انتزاع لواء الإسكندرونة من سوريا لعب دورا كبيرا في تكريس تلك النزعة، بكل ما انطوت عليه من أوهام رومانسية تفوق قدرة الفن على التحمل. عام 1958 رسم أدهم لوحته “بور سعيد” وعام 1960 رسم لوحته “زلازل أغادير” وهما لوحتان مباشرتان، بما يجعلهما قريبتين من روح الملصق الدعائي.

وهو ما يقدم فكرة عن ضعف المثال الفني في مواجهة قوة المثال السياسي حين يسبق الخيار الفكري الخيار الجمالي، وهو ما وقع ضحيته أدهم إسماعيل في نهاية حياته، بالرغم من محاولاته الجادة في بعث الحياة في المفردات الجمالية التراثية، في بدء مسرته الفنية.

يبقى من أدهم إسماعيل الكثير. وهو ما تؤكده أعمال الفنانين الذين تأثروا بكشوفاته الجمالية.

10