أدوات أردوغان لإثارة الأزمات وافتعال الحروب

استراتيجية أردوغان في السياسة الخارجية أدّت إلى تقليص هذه السياسة إلى حد الشلل وانقلب حلفاؤه ضده كما أن مقامرة عالية المخاطر في علاقته مع بوتين تجري الآن إلى حافة الهاوية.
الأربعاء 2020/10/14
سياسة متهورة

يبدو أن هناك حقيقة مريرة يحلم بها الكثيرون، حتى هؤلاء الأكثر سذاجة من بين أصدقاء تركيا وحلفائها: وهي أنه طالما أن هيكل السلطة في أنقرة يخضع لسيطرة الرئيس رجب طيب أردوغان وحليفه دولت بهجلي، ستبقى تركيا بطاقة رابحة في كل ركن من أركان المنطقة المتوترة.

عزز عنصر عدم القدرة على التنبؤ، وهو أحد أعمدة السياسة الخارجية لأنقرة منذ الانقلاب الفاشل في عام 2016، الإدراك في الخارج بأن تركيا جهة فاعلة مزعزعة للاستقرار. هذا العنصر يعرفه البعض، لكن يحجم عن التعبير عنه. والبعض الآخر، من بينهم العديد من مراقبي تركيا، يبذلون جهدا إضافيا للتقليل من شأن نموذج أردوغان – بهجلي.

وظهر مصطلح “السياسة الخارجية الحازمة”، كنتاج لتلك الجهود، التي لا تقتصر فقط على وصف تحركات السياسة الخارجية التركية، ولكنها أيضا تضلل المهتمين بفهم الواقع. ومن المؤكد أن هناك فرقا بين “السياسة الخارجية الحازمة” والوحدوية المطلقة.

لم يستطع أردوغان اختراق الحكومة المصرية، وخسر أرضا سياسية ضخمة في ليبيا، واضطر إلى دفن عقيدة “الوطن الأزرق” الغامضة أمام اتحاد أوروبي موحد

الأولى تنطوي على المرونة داخل حدود القانون الدولي، بينما تتغذى الأخيرة على الإرادة لتحديه، أو اختيار أن يكون في تحد له. الميل إلى تحليل سياسة خارجية عدوانية من خلال “منظور ناعم” لا يضلل الجمهور فحسب، بل يشجع أيضا أولئك الذين يحكمون تلك السياسة. وإذا بدا أن مصطلح “الدولة المارقة”، كما يقول بعض مراقبي أردوغان خلف الأبواب المغلقة، له بعض الصلاحية، فإنه يضع عبئا ثقيلا من المسؤولية على أولئك الذين يحاولون شرح العقلية والهياكل والآفاق الكامنة وراءه.

وتتبنى تركيا منطق الاضطراب تقريبا في جميع أركان الخارطة. وقال جاليب دالاي، الزميل في أكاديمية روبرت بوش، في تحليل أخير نقلته رويترز، إن أي شيء يقوض الوضع الراهن مفيد لها.

إذا تعمقنا بشكل أكبر، فإن النية المتعمدة لملء كل فراغ (سواء كانت الخطوة مشروعة أم لا) في المنطقة تصبح واضحة. وهذه مقامرة تنطوي على مخاطر كبيرة؛ حيث بالإضافة إلى ملء الفراغ، هناك رغبة في تأسيس موطئ قدم في أجزاء مختلفة من المنطقة على أساس دائم، لتؤكد دورها كلاعب أساسي في أي مفاوضات مستقبلية يمكن أن تعيد تشكيل الخارطة.

هنا تأتي “الرهانات الكبيرة”؛ من أجل تحقيق النتائج، يحتاج النظام إلى ثلاثة عناصر. أولا، ركزت القيادة على الإستراتيجية، مستخدمة الحكمة طويلة المدى لكوادر السياسة الخارجية في ما يتعلق بالمناقشات الداخلية. ثانيا، يجب أن يكون لديك اقتصاد قوي. ثالثا، ونظرا لأنك تحتاج إلى تطبيق النزعة الوحدوية متعددة الطبقات في منطقة كبيرة، فأنت بحاجة إلى الاعتماد على مجموعة معينة من التحالفات الدولية.

يفتقر هيكل سلطة أردوغان – بهجلي إلى العناصر الثلاثة، مع الإصرار على تبني نفس سياسة التدمير الذاتي. هنا قد يجادل الجميع حول أهمية الحالة المتدهورة للسياسة الداخلية، ولكن يجب أن يساعدنا ذلك فقط على فهم العلاقة المسمومة بين الفوضى السياسية الداخلية وعدم القدرة على التنبؤ بما يسميه بعض المراقبين على استحياء “السياسة الخارجية الحازمة”.

وهو ما يخبرنا عن خطورة الموقف؛ ففي حين يعتقد زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف بهجلي ودائرته من المؤيدين الذين يتجاوزون حدود الحزب، أنهم وجدوا فرصة ذهبية لتركيا التي “ستنهض وحدها”، أردوغان يفضح كل نقاط ضعفه وراء صورة الرجل الحديدي. هذا الأخير ليست لديه نظرة ثاقبة على التوازنات التي يضعها النظام العالمي، مهما كانت متذبذبة، ويزدري كل من يجرؤ على الوقوف داخل هيكل سلطته.

والأسوأ من ذلك فبالنسبة إلى بهجلي هذه مناسبة كبيرة لتأكيد كل أحلامه التي لم تتحقق حتى الآن لتحويل تركيا إلى “دولة أمنية مشددة” توسعية. وبالنسبة إلى أردوغان، الذي يدرك المخاطر المتزايدة لمستقبله السياسي، فهو غير قادر على التخلي عن حلمه في حكم العالم الإسلامي.

يكشف تنفيذ قرارات سياسته الخارجية عن عقلية متقلبة. ذلك لأنه يعتقد اعتقادا راسخا أنه قادر على إثارة المشكلات، اختراع أزمة بعد أزمة، حول الجوار التركي، حتى مع احتفاظه بالسيطرة على خصومه المحليين بخطاب الكراهية والترهيب والإجراءات القمعية والاستقطاب.

نجحت هذه الخطة حتى الآن في الداخل، ولكن في جميع اشتباكات السياسة الخارجية، لم تتغير النتيجة. ففي العقد الماضي، وخاصة منذ عام 2016، لم تنجح كل محاولة لتوسيع حدود تركيا، وكلها تحمل بصمات أردوغان.

الميل إلى تحليل سياسة خارجية عدوانية من خلال “منظور ناعم” لا يضلل الجمهور فحسب، بل يشجع أيضا أولئك الذين يحكمون تلك السياسة

لقد وصل إلى طريق مسدود في سوريا، ولم يكتسب أي ثقة مع العراق، وتمكن من تحويل جامعة الدول العربية إلى كتلة واحدة ضد حكومته. لم يستطع اختراق الحكومة المصرية، وخسر أرضا سياسية ضخمة في ليبيا، واضطر إلى دفن عقيدة “الوطن الأزرق” الغامضة أمام اتحاد أوروبي موحد، مما أدى إلى عزل القبارصة الأتراك من خلال التنمر على رئيسهم الفيدرالي المنتخب مصطفى أكينجي، ويمكن أن يصبح الآن أيضا خاسرا كبيرا في القوقاز.

لقد أدت استراتيجية أردوغان في السياسة الخارجية إلى تقليص هذه السياسة إلى حد الشلل، ولم يترك العديد من حلفائه إدارته فحسب، بل انقلبوا ضده. كما أن مقامرة عالية المخاطر في علاقته الدقيقة مع بوتين تجري الآن إلى حافة الهاوية.

وهنا تصدر الصورة بعض الإنذارات. فبعد أن أصبحت قطر كل ما تبقى لتركيا، حيث لا يمكن اعتبار باكستان النائية والفقيرة مصدرا للدعم الاقتصادي، يبدو أن الرابط الوحيد الذي يشجع سياسة أردوغان المتهورة، وبالتحديد الرئيس الأميركي ترامب، يفقد فرصه لولاية أخرى. وإذا حدث ذلك، فقد نشهد تغييرا في اللعبة، قد يستدعي الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. قد لا يكون بهجلي واعيا لهذه النتيجة، لكن أردوغان يدرك بالتأكيد ما قد يحدث. ومن المحتمل أن تصل لعبته عالية المخاطر إلى آفاق جديدة. ولن أراهن على إخراج المزيد من النزاعات العسكرية من الأجندة السياسية.

9