أدوات خلق كائنات جديدة متاحة للشراء عبر الإنترنت

هندسة الجينات تفتح أبوابا واعدة ومخيفة لا يمكن إغلاقها، وتصل المخاوف إلى احتمال استخدامها ضد البشر ودفع الحياة على الكوكب إلى نهاية كارثية.
الأحد 2019/11/10
159 دولارا فقط ثمن المستلزمات الكاملة لتقنية "كريسبر" التي تتيح لأي شخص إمكانية اقتراح أشكال جديدة للحياة

الاختراقات الهائلة في هندسة الجينات الوراثية والتلاعب بها، لم تعد سرا منذ اكتشاف طريقة لتحرير الجينات يطلق عليها اختصارا اسم كريسبر (Crispr) والتي تسمح لأي شخص بأن يتخذها هواية أو هوسا جنونيا لابتكار احتمالات حياة جديدة.

يستطيع كثيرون اليوم باستخدام تلك التقنية، خلق كائنات جديدة من نباتات وحيوانات وربما بشر بإمكانات خارقة مستعارة من الحيوانات وربما النباتات أيضا.

وقد وصل الجدل بشأنها ذروته في الأيام الماضية بعد عرض برنامج وثائقي من 4 حلقات على منصة نتفليكس بعنوان “انتخاب غير طبيعي” Unnatural Selection في إشارة إلى نظرية الانتخاب الطبيعي، التي وضعها العالم تشارلز دارون.

ويستكشف البرنامج الذي أعده المخرجان جو إيغيندر وليور كوفمان، الأشكال المختلفة للهندسة الوراثية والآثار والانقلابات الاجتماعية والبيئية لأبحاثها واستخداماتها، بعد أن تعقب بعض الأشخاص الذين يقومون بأبحاث جنونية خارج أي رقابة، في بيوتهم وفي مستودعات المزارع، والتي يمكن أن تعبث بخارطة الحياة على هذا الكوكب.

وكان من صدمات البرنامج حقيقة بسيطة وخطيرة، هي أن عدة ومستلزمات تلك الأبحاث أصبحت متاحة بسعر زهيد ويمكن لأي شخص أن يطلبها عبر الإنترنت، مثل أي صفقة تسوق أخرى.

وقد بحثت عنها شخصيا ووجدت أن المستلزمات الكاملة للتلاعب بشفرة الحياة معروضة على الإنترنت مقابل 159 دولارا فقط، وهي تتيح لأي شخص إمكانية اقتراح أشكال جديدة للحياة.

كلب ضوئي وإنسان أخضر

كيفين إسفلت: احتمال انتشار موجات من كائنات معدلة وراثيا تكتسح العالم وتنتشر جغرافيا من بلد إلى آخر وعبر القارات، أمر مرعب تماما
كيفين إسفلت: احتمال انتشار موجات من كائنات معدلة وراثيا تكتسح العالم وتنتشر جغرافيا من بلد إلى آخر وعبر القارات، أمر مرعب تماما

أحد الأشخاص الذين ظهروا في البرنامج قطع شوطا طويلا في إدخال جينات حشرة مضيئة إلى الحيوانات المنوية لبعض الكلاب وهو يؤكد أن يقترب من “خلق” كلاب تشع بالضوء في الظلام.

يمكن للمخيلة أن تذهب حيث تشاء، ماذا لو مزجنا جينات من القطة والحمار، أو جينات من نباتات مع بعض الحيوانات وماذا لو مزجنا جينات نباتية مع البشر، هل سيكون لدينا إنسان أخضر قادر على عملية التمثيل الضوئي؟

وقد نتمكن من إعادة الحياة إلى الديناصورات وحيوانات منقرضة أخرى إذا تمكنا من استخلاص حمضها النووي من خلال مزجه بجينات حيوانات أخرى.

حين توصل العلماء في عام 2000 إلى الخارطة الجينية الكاملة للبشر، قال الرئيس الأميركي حينها، بيل كلينتون “نحن نتعلم اليوم اللغة التي خلق بها الله الحياة”.

كانت تلك إحدى أكبر القفزات العلمية الواعدة والمخيفة، وتمكن العلماء فيها من وضع الخارطة الجينية الكاملة للبشر، والتي يرمز لها بالحروف، أي وسي وجي وتي، بأسلوب مشابه لرموز الكمبيوتر.

اليوم وبعد مرور ما يقارب 20 عاما، قطع العالم أشواطا هائلة لم تكن في الحسبان مع اكتشاف تقنية “كريسبر” التي تتيح ببساطة تغيير الشفرة الوراثية واستبدال جينات بأخرى.

فتحت حلقات البرنامج صندوقا عاما خفيا مزدهرا لتكنولوجيا تعديل الجينات، وتعقبت أشخاصا عاديين، بعضهم لم يدرس في أي جامعة، يقومون بتجارب كانت في منطقة الخيال العلمي.

العبث بخارطة الحياة

تقول جينيفر دودنا وهي أحد مكتشفي تقنية “كريسبر” إن الاكتشاف يشبه إلى حد ما “مشرطا جزيئيا” وهو يقوم في الأساس بإزالة واستبدال رموز جينية في سلسلة الحمض النووي (دي.أن.أي).

ويسمح ذلك بتعديل الصفات الوراثية ومزج رموز من كائنات مختلفة لتفتح آفاقا لانهائية الاحتمالات، أي “إعادة كتابة خارطة الحياة” على حد تعبير البروفيسور خوان إيزبويسوا بيلمونتي خبير تطوير البيولوجيا الحيوية في معهد سالك في ولاية كاليفورنيا الأميركية. ونسبت صحيفة الغارديان إلى المخرج إيغيندر قوله بعد صدمة ما اطلع عليه خلال إعداد البرنامج الوثائقي “لقد جئت من عالم الخيال. وكأنني كنت أقوم ببعض الأبحاث لإنشاء نص خيال علمي” وليس أمورا حدثت بالفعل.

وذكر أن فكرة البرنامج انبثقت بالصدفة حين قرأ مقالا عن تقنية “كريسبر” وأصيب بالذهول. وأضاف “لم أستطع أن أصدق ذلك. هل يمكننا بالفعل تعديل جوهر الحياة وهو الحمض النووي؟”.

وسارع للاتفاق مع صديقه المخرج كوفمان، ليقررا البحث عن خفايا هذا العالم لإنتاج فيلم وثائقي، وسرعان ما عثرا على عدد كبير من رواد هذه المغامرات، المستعدين لكشف كل ما لديهم في البرنامج.

لعبة التعديل الجيني خرجت عن نطاق السيطرة ولن تتمكن من لجمها أي حملات تنظيمية حكومية
لعبة التعديل الجيني خرجت عن نطاق السيطرة ولن تتمكن من لجمها أي حملات تنظيمية حكومية

وقال كوفمان “في اللحظة التي بدأنا فيها التحدث مع الناس، فهمنا كيف أن هذه الثورة لا تقف عند عنوانها الأكبر وهو إعادة تصميم الحيوانات والنباتات وحتى الإنسان، بل تمتد لميادين مختلفة تؤثر على مستقبل العلاجات الطبية والبيئة”.

تناول البرنامج الوثائقي الإطار الأوسع للهندسة الوراثية وتعقيداتها المليئة بالمخاطر والفوائد والقصص الحياتية، وسلط الضوء على قضاياها المعقدة والآفاق اللانهائية التي تفتحها.

على سبيل المثال، تابع البرنامج تفاصيل حياة أشخاص يحتاجون للعلاج الجيني لتصحيح اختلالات صحية وإنقاذ حياتهم، لكنهم يصطدمون بتكاليفها الباهظة، التي تصل إلى نصف مليون دولار.

وتناول متاعبهم مع شركات الهندسة الوراثية الناشئة، التي تحاول تمويل إنتاج العلاج، تاركة المرضى في مواجهة رحلة شاقة للحصول على التمويل من شركات التأمين الصحي.

وخصص البرنامج حلقة لعرض آفاق استخدامات تكنولوجيا تعديل الجينات في حماية البيئة وتخفيف آثار التغير المناخي، وأخذ نموذج معاناة نيوزيلندا من وباء انتشار القوارض، التي قدمت من بيئات أخرى عبر السفن، والتي تهدد بقاء الكثير من الطيور النادرة، التي لا تعيش في أي دولة أخرى.

وتابع جهود الدكتور كيفين إسفلت، الذي ابتكر “تقنية القيادة الجينية” بهدف نشر تعديل جيني بين القوارض للحد من تكاثرها السريع، لكن ذلك أثار مخاوف بعض النيوزيلنديين من مخاطر ليست في الحسبان تؤدي إلى انهيار في التوازن البيئي.

دانا بيرلس: الهندسة الوراثية تتحدى قدرتنا على السيطرة على التكنولوجيا. والشركات الكبرى مهتمة لأنها تسمح لها بالتحكم في الطبيعة
دانا بيرلس: الهندسة الوراثية تتحدى قدرتنا على السيطرة على التكنولوجيا. والشركات الكبرى مهتمة لأنها تسمح لها بالتحكم في الطبيعة

معظم العلماء يحذرون من سيناريوهات كارثية، التي تصل إلى احتمالات ارتكاب خطأ كبير وإطلاق حيوان من المختبرات يمكن أن يحدث خرقا كبيرا في موازين الطبيعة ويفتح أبواب كوابيس مخيفة.

حتى الدكتورة دودنا، التي شاركت في اكتشاف تقنية “كريسبر” تتحدث باستمرار عن ضرورة الحذر بشأن هندسة الجينات، بعد أن أصبحت آفاقها الخطيرة واقعا فعليا لا يمكن التشكيك فيه.

سيناريوهات كارثية

تصل المخاوف إلى احتمال استخدامها ضد البشر ودفع الحياة على الكوكب إلى نهاية كارثية. يقول كوفمان إن ذلك الحذر يصدر من أشخاص “يعيشون بالفعل معضلات الغد وأخلاقيات الغد والعالم المالي في الغد، بطريقة يمكن أن نستفيد منها للتحوط من المستقبل”.

لكن انتشار التقنية يجعل من الصعب مراقبة احتمالاتها المخيفة، التي يمكن أن تحدث في أقبية سرية، مهما شنت الحكومات من حملات أمنية لمطاردتها.

يأمل الدكتور إسفلت من خلال تقنية القيادة الجينية أن يخفف جزئيا آثار تغير المناخ، لكنه لا ينسى المخاطر ويقول “إن احتمال انتشار موجات من كائنات معدلة وراثيا تكتسح العالم وتنتشر جغرافيا من بلد إلى آخر وعبر القارات، أمر مرعب تماما”.

لكنه حسم الصراع بين الطموحات والمخاوف وقرر المغامرة واستكشاف المجهول، في وقت لا يزال فيه التشاؤم يكبل معظم العلماء التين يعملون في مختبرات رسمية وخاضعة للرقابة.

ويقول خبير البيئة جيم توماس في البرنامج “إنها التكنولوجيا الأكثر تأثيرا التي رأيتها في حياتي بعد الطاقة النووية”، لكنّ كثيرين يقولون إنها قد تصبح أخطر منها.

وترى الناشطة دانا بيرلس أن “الهندسة الوراثية تتحدى قدرتنا على السيطرة على التكنولوجيا” وتتساءل “من المستفيد؟ من يسيطر على التكنولوجيا؟ شركات الأعمال التجارية الزراعية والشركات الكيمياوية والشركات الكبرى مهتمة جدا بها لأنها تسمح لها بالتحكم في الطبيعة”.

محاولات لجم المخاطر

الطريق إلى عالم آخر
الطريق إلى عالم آخر

يعترف إيغيندر بمشروعية القلق والخوف من هذه التكنولوجيا، لكنه يرى أسبابا للاحتفاء بها أيضا. ويعتقد أن “ما هو مؤكد هو أننا نحتاج لفهمها بشكل أفضل ومناقشتها لنتمكن بشكل جماعي من اتخاذ قرارات بشأنها، بدل ترك الأمر فقط للأشخاص الذين يعملون على فتح آفاقها الواعدة والمخيفة في ذات الوقت”.

ويتفق معه زميله كوفمان بالقول إن “ردود فعل معظم الناس حين يسمعون عن هذه التكنولوجيا لأول مرة هي الخوف منها، لكن أفضل ما يمكن أن نقوم به هو مواجهة أسئلتها لمعرفة المسار الذي ينبغي أن نسلكه وما لا ينبغي أن نفعله”.

ويؤكد ضرورة عدم اتخاذ قرار قاطع، لأن هذه التكنولوجيا يمكن أن تعيد البصر إلى طفل ويمكن أن تنقذ سكان مناطق مثل غرب أفريقيا من أوبئة مرضية كارثية.

برنامج “الانتخاب غير الطبيعي” وثق قلق وآمال الكثيرين وربطها ببعضها للبحث عن أفضل المسارات الممكنة وفتح أعين الكثيرين على هذا العالم الغامض.

لم يحاول البرنامج الوثائقي أن يؤثر في اتجاهات آراء الجمهور بشأن الهندسة الوراثية من خلال التزام الحياد بشأنها وحاول فقط عرض خارطة واسعة لفوائد ومخاطر تحرير الجينات والتلاعب بها.

حماقات تاريخ البشرية تؤكد أننا لن نستطيع إعادة هذا المارد إلى الزجاجة، بعد أن خرج منها، وأن هذه التكنولوجيا ستؤدي إلى نجاحات هائلة وقد ترتكب أخطاء كارثية، وسوف ينتشر استخدامها في كل الأحوال مهما كانت المعارضة القانونية والأخلاقية.

17