أدوار المثقف

الثلاثاء 2015/07/14

هل ثمة دور للمثقف العربيّ في الهستيريا الجماعية التي نعيشها الآن؟ في الأطوار الكارثيّة لعنف السلطة والطائفة وأشعياء المذاهب ونزوعهم إلى القتل الجماعيّ بأعصاب باردة، وتسويغ أخلاقيّ، متوتّر، وعالي الوطيس، لم نشهد له مثيلًا من قبل؟ وهل آثر المثقف في هذه اللحظة التاريخية الفارقة؛ اللحظة التي يشهر فيها المستبد المستحكم (دولة أو حزبًا أو فرقة أو جماعة) سيوف بطشه البربريّ في وجهنا جميعًا إمّا أن يتوارى في ظلال الصمت؛ خوفًا، أو حفاظًا على بعض مكاسب آنيّة، أو أن يصبح كراكوزًا يرقص ويهتزّ شوقًا وطربًا على إيقاعات بسطار الزعيم المخلص، لاهجًا بجميع الأدعية السماوية والدنيوية الواجبة في مديح القائد الملهم، ظل الله في الأرض، بحثًا عن مغانم أكثر، وبأشدّ طرائق التزلُّف التي لم تخطر من قبل على بال بشر.

وبما أن المستبدّ لا يحب أن يسمع إلا صوت نفسه، ولا صوت إلّا صوته؛ فلا بُدّ له، إذن، من جوقة مثقفيّن يسبّحون بحمده ليل نهار، وباحثين له دائمًا وأبدًا عن كافّة التبريرات الأخلاقيّة لكل الجرائم والانتهاكات التي يقترفها بحق كل من يجرؤ على الجهر برأي مختلف.

ولا ينحصر الدور العلني للمثقف الحقّ، عند أدوارد سعيد، على سبيل المثال، في التشويش على الوضع الراهن وخلخلته فحسب، وإنما يتعدّاه إلى السعي، بكلّ صلابة وأناة، إلى تحطيم الأفكار النمطيّة الشائعة والقوالب الفكرية الجاهزة، وإلى التحلي بالشجاعة الكافية التي تحتّم عليه، أخلاقيّاً قبل كل شيء، إلى إدانة الانتهاكات التي تقوم بها السلطة الحاكمة تجاه فئة أضعف، حتى ولو كانت تلك الفئة الأضعف تناصب هذا المثقف العداء.

فالمثقف الحقّ، عند سعيد، كما يصوره لنا في مقدمة كتابه “تمثيلات المثقف”، يظلّ متشبّثًا بمعايير الحقيقة (أي تلك اليقينيّات التي تتعدّى الرأى والاعتقاد) المرتبطة بالبؤس الإنسانيّ والاستبداد بصرف النظر عن انتمائه الحزبيّ، وخلفيّته القومية، وولاءاته البدئيّة. فلا شيء يشوّه الأداء العلنيّ للمثقف أكثر من الوقوف على الحياد، أو تأييد كافة الأطراف تأييدًا متساويًا يتغيّر وفق الظروف، والصمت الحذر، والتبجّح الوطني، والرجعيّة، والرّدة التي تصوّر نفسها على نحو مسرحيّ.

فمتى يخرج المثقف العربيّ أدائه المسرحيّ الفجّ ومن كهوف انتماءاته وولاءاته الضيّقة، ليعلن، بكل صلابة، انحيازه إلى البؤس الإنسانيّ، بلا تمييز بين ضحيّة وأخرى، صارخًا، بأعلى صوته: “دمُ مَن هذا الذي يسيل؟”

كاتب من سوريا

14