أدوار غائبة

الأحد 2016/11/13

الكل يقر الآن أن هناك أزمنة قراءة. وهي متعددة المستويات؛ ويمكن بسط ذلك بالتدرج انطلاقا من البيت الذي لا يسعى لمكتبة إلى جانب المتاع، بل للأفرشة والتلون مع دورة الفصول؛ إلى المدرسة التي تعمل وفق ثنائية: القراءة النفعية والأخرى العامة التي تكسر الدوائر وتدعو للامتداد في المجتمع والحياة؛ إلى الشارع والمجتمع الذي لا يمارس الثقافة كضرورة، بل بخفوت أو بهرجة تفرغ هذا الثقافي من محتواه وأسسه. فالإنسان لا يتغير بالزفت بل بالثقافة وحدها ليكون في قلب المعارك كرافعة لحياة خالية من العقد والمركبات كما يقول هنا الروائي عبدالكريم جويطي.

وحين نقر بهذه المعضلة، فإننا نعترف بشكل من الأشكال بالأعطاب السارية في هشيم المؤسسات الثقافية والحزبية؛ فالأولى تقدم فقرات ثقافية، لكن هل طرحت خططا لتقريب المكتوب في حلل ما وإطارات تحفّز على القراءة، أما الثانية فتشتغل بطرق مختلفة حول الثقافي إما بالادعاء أو توظيف الثقافة في المعركة الأيديولوجية أو تعميمات تجعل الثقافي مضببا في البرامج العامة، الشيء الذي يجعل الثقافي في آخر الاهتمام والأولويات المفكر فيها. ويغلب ظني أن هذه الأحزاب حين تدعو لفعل ثقافي ما، ستخلق قراء حقيقيين يقرأون أولا ما في سلة هذه الأحزاب. أكيد أن لا أحد بإمكانه أن يرفع سقف الجرأة والحقيقة الأخرى ويرفع شعار القراءة أولا، كما يطرح الأستاذ المحجوب عرفاوي.

ويغلب ظني، أن فعل القراءة بمعناه الممتد داخل المجتمع، ظل مؤجلا على الرغم من الوعي الحاد بهذه الكارثة التي تخشّب الأمّة ؛ وتجعلها متصلبة في الترسبات، وتابعة؛ بل كعجين يمكن أن تصنع به أي شيء.

في بلدان أخرى وثقافات لها علاقة قوية بالكتاب والقراءة، ويبيع كتابها بالملايين، حين يستشعرون الخطر المحدق بالأدب والثقافة في المدرسة والمجتمع، يبادرون كجهات مسؤولة إلى طرح سؤال القراءة، وكيف نقرأ؟

ويبدو هنا ، أننا ينبغي أن نقرأ أولا أمام هذا المد الاستهلاكي الذي طال كل شيء ، فساد التسطيح وطغيان القشور التي تليق بثقافة التنفيخ والتزحلق. وبقليل من النظر يمكن أن ترى الرغبات في حراك وصراع بالتدافع بالمناكب طبعا، لتحقيق الامتلاء؛ وليعيش الآخر جحيمه.

أن نرفع حلم مجتمع قارئ، يقتضي أولا إرادة حقيقية من لدن الفاعلين الثقافيين لإيصال المنتوج الثقافي لكل الناس عبر بنيات ثقافية مؤهلة، وكذا التوافق على أن القراءة مسألة ينبغي النظر إليها خارج المآزق والظرفيات. إذا حصل هذا، ستكتسي هذه المسألة راهنية مفتوحة على المستقبل. فالمجتمع وهو يمارس الثقافة بموازاة مع أفعال أخرى في تجاور خلاق، سيتحول هذا الفعل الثقافي إلى أفعال اجتماعية تمتد للسلوك والأنساق بكيفية مهذبة على أرضية صلبة من الحوار والاختلاف المخصب، وليس المعيق للانطلاقات والمسيرات مهما كانت شعاراتها وتبريراتها.

وعليه، يكفي من رفس هذا الثقافي وتقضيمه أو التكلم باسمه دون أسسه، وفي المقابل على المبدع والمثقف الاضطلاع بأدواره الغائبة، ليس في الكتابة فقط، بل في تقديم المنتوج الثقافي للناس عبر آليات وقنوات؛ فإذا لم يمر الثقافي منها كمنطق وتحليل وقيم، فإنها تبقى تُجاري المرحلة بكامل ثقافتها وصرفها الذي لن يغطي على صروف الدهر.

شاعر وكاتب من المغرب

13