أدونيس في بيروت: العربية لغير أهلها

الجمعة 2016/04/29

لازالت المحاضرة التي ألقاها أدونيس في الجامعة الأميركية في بيروت منذ أيام قليلة تحت عنوان "بيروت: الشعر والفضاء والأجنحة"، تثير الكثير من ردود الأفعال والنقاشات على صفحات الجرائد وفي وسائل التواصل الاجتماعي. وجود أدونيس في هذا الصرح الأكاديمي لم يكن مقبولا في نظر الطلاب الذين واجهوه بيافطات كتبت عليها عبارات مستلة من مواقفه التي بدت لهم غير مقبولة ليس سياسيا وحسب، بل ثقافيا وإنسانيا. وُصفت زيارة أدونيس بأنها "تسلل" إلى الجامعة الأميركية، ولم يتم الإعلان عنها بالشكل المعتاد حتى من قبل إدارة الجامعة، واقتصر الحضور فيها على مجموعة قليلة من الأدونيسيين وبعض الطلاب الذين انسحبوا بعد التعبير عن مواقفهم، فبدت القاعة وكأنها ساحة يتحدث فيها أدونيس مع نفسه.

لعل الحديث عن مواقف أدونيس السياسية المباشرة بات مملا، لذلك لنبق في ما هو شأن ثقافي، فما لم يسلط عليه الضوء بشكل واضح في محاضرته هو محاولته نسف العلاقة بين العرب واللغة العربية، حيث اعتبر أن أبرز من منح اللغة العربية حضورا وقيمة لم يكونوا عربا، بل كانوا منتمين إلى أصول غير عربية كالكرد والسريان وغيرهم.

الشاعر أدونيس يحاول أن يجهز على اللغة العربية نفسها. يريد اغتيال المتنبي وسواه من كبار شعراء العربية وكتابها عبر نسب المعرفة باللغة العربية إلى سواهم. لم يكن المرء يتوقع أن يعمد أدونيس إلى مثل هذا التبسيط المخل حيث لم يعد أحد يناقش في أن الثقافة هي بنية لا تتصل بالعرق الذي ينطق بها، بل تتصل بشبكة التأثير التي تفرضها، والتي يعتبر من يخضع لها منتسبا إليها بغض النظر عن عرقه.

يقول أدونيس في محاضرته بالأميركية: "الثقافة العربية ظاهرة سيكولوجية. إنها ركام من المكبوتات التاريخية، والمعتقدات المسبقة، واليقينيات الخرافية". أما اللغة العربية فيقول عنها صاحب الثابت والمتحول أنها "ينعكس الجهل في اللغة العربية على الثقافة والسياسة على السواء.. بشكل عام نجد أن الذين يتقنون العربية حقاً هم في المقام الأول من غير المسلمين والذين يرتقون بها إلى مستويات راقية في الشعر هم من أصول غير عربية كردية وسريانية وأمازيغية".

والواقع يقول إنه لا يمكن الفصل بين الثقافة اللغوية العربية وبين من عبروا عن أنفسهم من خلالها، وإقامة تفاضل بينهم على أساس العرق إلا انطلاقا من مخيلات مريضة ، يريد أصحابها أن ينزعوا عن العرب، ليس فقط الحضور التاريخي والسياسي، ولكن، أن تجري تعريتهم من جلدهم، وأن يسلبوا روحهم الكامنة في اللغة.

كل مستعمل للغة العربية يصبح صاحب نسب عربي ثقافي. هذا ما علمنا إياه التاريخ. ولعل جنوح الثقافات التي انطوت تحت جناح العروبة الثقافي في مراحل مختلفة إلى تكريس صلاتها باللغة العربية على مستوى البحث اللغوي المباشر، أو على المستوى الإبداعي، يعكس قدرة اللغة العربية على تكريس طابع الانتماء إلى الثقافة العربية.

لكن أدونيس بطرحه الذي يتقهقر بالمسألة إلى الانتساب العرقي كأني به يريد أن يغتال المتنبي، وأن ينزع من جسد الثقافة العربية كل نتاج قام به من كان غير عربي، معتبرا ان هذه الطريقة كفيلة بتهديم كل بنية اللغة العربية والتراث العربي، وإعادة تمليكه لمستحقيه الحقيقيين من غير العرب.

يضمر الشاعر نزوعا يسعى إلى تصميم بنية تسلخ عن العرب لغتهم وتسلبهم ملكيتها، فتصبح اللغة بوصفها البنية الناظمة للحق في الوجود الجغرافي والمؤسسة للتاريخ، ملكا لهؤلاء الذين استقبلتهم يوما، وسمحت لهم بالإقامة في حيزها، وعدتهم أبناء لها. أدونيس يصر أن ينسب إليهم صفة الغرباء والغزاة المتفوقين الذين أعادوا بناء كل شيء، فضاعت أصوله فصار تاليا ملكية لهم يحق لهم استعمالها كما يشاؤون. غريب هذا المنطق، إنه يذكرنا بمنطق الحاكم السوري الذي نادى جميع الأمم ليملكوا سوريا ماداموا سيبقونها حكرا عليه.

هنا تكمن أيديولوجيا الغريب وتجميل الغزو تحت عنوان الحق المكتسب، من خلال إعادة تأصيل للأصول يحرمها من تاريخها ومن سيروراتها، ويجعلها أسيرة أصل جديد. هكذا لا تكون اللغة العربية موجودة بالعرب ولكنها عبرت من خلالهم، لتستقر بعد ذلك في المآل الفعلي لها بواسطة إبداعات غير العرب. يستتبع هذا المنطق دعوة غير مباشرة لخضوع العرب لسيطرة هؤلاء الغزاة المتفوقين عليهم، والذين عادت إليهم ملكية اللغة وما يستتبعه هذا الامتلاك من حقوق تتصل بالحق في امتلاك الجغرافيا والتاريخ، وتحديد الهويات، ورسم المصائر. ما ينادي به أدونيس هو عين ما ينادي به المتطرفون الإسلامويون الذي ينزعون عن المسلمين ثوب الإسلام الذي لبسوه طوال تاريخهم، وينسبون إلى أنفسهم الحق في إعادة إنتاج الإسلام. هكذا يصبح الإسلام ملكية له يتصرف بها كما يشاء بشكل يصبح معه إهدار الأرواح، وتدمير التاريخ، وتفجير حدود الجغرافيا، سياقا طبيعيا،لا بل ممارسة لحقوق مكتسبة وليس اعتداء أو جرائم مشينة يندى لها الجبين.

كاتب من لبنان

14