أديرة الأقباط في مصر.. دور عبادة وخلايا اقتصادية نشيطة

يظن البعض أن وضع الأديرة في مصر، من خلال توسيع أنشطتها الاقتصادية واستقلالها المالي والإداري عن الحكومة، يعطي مؤشرات على درجة التسامح الديني في مصر تفنّد المزاعم بوجود اضطهاد ديني أو مشكلات طائفية، غير أن آخرين ينظرون إلى هذا الاستقلال على أنه ضعف من الحكومة وتساهل منها، ما جعل جانبا ثالثا منهم يزعم بأن الأديرة صارت “دولة داخل الدولة”.
الخميس 2017/03/30
سلع لا تدفع الضرائب

القاهرة - الدير مكان يتجمّع فيه عدد من النساك المسيحيين الرهبان بهدف التفرّغ التام للعبادة مع العيش على الاكتفاء الذاتي. وفي مصر تنتشر العشرات من الأديرة ذات المساحات الشاسعة في كل الأنحاء. ورغم أن القليل منها تعرّض للاندثار إلا أن أغلبها تطور بشكل كبير لتتجاوز مهمتها كونها مجرد أماكن للعبادة والصلاة، لتصبح كيانات اقتصادية تدر المليارات من الجنيهات على الكنيسة.

وتبلغ مساحات البعض من الأديرة أرقاما كبيرة لا تتناسب مع عدد الرهبان أو حاجتها إلى أماكن للعبادة، فعلى سبيل المثال تبلغ مساحة دير “أبومقار” بوادي النطرون (طريق محافظة الإسكندرية الصحراوي) نحو 2700‏ فدان وتصل مساحة دير “أبوفانا” بالمنيا (جنوب مصر) إلى 600 فدان، فيما تعادل مساحة دير “مار مينا” ببرج العرب بالإسكندرية تقريبا مساحة دير أبوفانا.

هذا يعني أن مساحة أكبر ثلاثة أديرة في مصر تبلغ نحو 3900 فدان (ما يعادل 16 كيلومترا مربعا) تكفي مساحتها لـ16 مليونا و380 ألف مُصل قبطي كحد أدنى، وهو ما يتجاوز عدد الأقباط المقدر في مصر بسبعة ملايين.

في الوقت الذي أعلنت فيه لجنة الأديرة والرهبنة شروطها للاعتراف بالدير الحديث بأن يكون ذا “مساحة كبيرة”، فإنها في المقابل لم تحدد العدد الجملي للرهبان أو الراهبات.

فهناك أديرة مثل دير “الأنبا توماس” بجبل شنشيف بمحافظة سوهاج (جنوب مصر) على مساحة 220 فدانا، لكن هذا الدير بتلك الإمكانات والمباني والمزارع الشاسعة لا يوجد به سوى 12 راهبا فقط، أي أن الراهب الواحد “يتعبّد” في أكثر من 18 فدانا.

تلك الأوضاع أثارت الجدل حولها في ظل ما يدعيه البعض في الخارج عن وجود مظلومية للأقباط وعراقيل وممارسات ضد ما يسمّونه بالأقلية القبطية المضطهدة، ويتساءل الكثير من المصريين عما إذا كان الأقباط المصريون مضطهدين، كما يقال، فكيف حصلوا على تلك المساحات الشاسعة من الأديرة في الدولة المصرية بأريافها ومدنها؟

أديرة لا تقتصر على الدور الديني

مؤسسات مستقلة

نشأت الأديرة في مصر إبان العهد القبطي وحكم الرومان، حيث لجأ البعض من الرهبان إلى أطراف الصحراء والجبال وبالقرب من السواحل لإنشاء أماكن عبادة لهم بعيدا عن ملاحقة واضطهاد الرومان لهم.

وأول من أنشأ ديرا بمصر الأنبا أنطونيوس في القرن الثالث الميلادي سعيا إلى خلاصه هو وأتباعه من اضطهاد الرومان، وقد عرف أنطونيوس بأنه “أبوالرهبنة”.

ومع مرور الوقت لم تعد الأديرة قاصرة على الدور الديني كمكان للعبادة والرهبنة والزهد في أمور الحياة، بل تعدت حدود الاكتفاء الذاتي لتلبية احتياجاتها من الغذاء والسلع إلى ممارسة أنشطة تجارية متعددة وتصدير المنتجات حتى تحولت إلى كيانات اقتصادية مستقلة بشكل لا يجعلها في حاجة إلى الدولة، ما جعل البعض يعتبرها “دولة داخل الدولة”.

وتضم الأديرة الكبيرة عددا من مصانع الأجبان والمخللات والعصائر ومخابز وورشا للنجارة والحدادة وصيدلية، كما تمتلك مزارع ضخمة لزراعة كل أنواع المحاصيل والفواكه، وبداخلها أيضا مزارع كبيرة لتربية الأبقار والطيور والخنازير لإنتاج اللحم والجبن والزيوت مثل زيت الزيتون، وإضافة إلى ذلك فإنها تمتلك منشآت صحية وموارد مائية مستقلة (حيث توجد بها عدة صهاريج عملاقة لمياه الشرب تكفي لتغطية حاجة أحياء بكاملها من المياه)، وهي قادرة على توليد الكهرباء.

وتحوّلت أديرة أخرى إلى مشاريع استثمارية لجذب الأقباط لزيارتها في رحلات، بادّعاء وجود معجزات بها أو رفات لقديسين وشهداء عظماء لإدرار الدخل، سواء عن طريق النذور أو حركة البيع والشراء من الكافيتريات والمكتبات.

ويعتبر باحثون في الشأن القبطي أن تضخم الأنشطة الاقتصادية للأديرة تجاوز مفهوم التقشف الذي تقوم عليه فلسفة الرهبنة، ويبدو ذلك جليّا من خلال الفرق الكبير بين القلالي القديمة (أماكن اعتكاف الرهبان) حيث مظاهر البساطة والتقشف وبين مبنى القلالي الجديد برفاهيته وفخامته.

ويقولون لـ”العرب” إن كل الأديرة لا تخضع للتفتيش من قبل أجهزة ومنظمات الدولة، وبالتالي فجميع إيراداتها لا تخضع للجهاز المركزي للمحاسبات، ما يترتب عليه ضياع حق الدولة في تحصيل كافة الرسوم الحكومية التي تقوم بتحصيلها من المشروعات الاقتصادية الربحية مثل ضرائب كسب العمل وضرائب الدخل وضرائب المبيعات وجميع الرسوم والدمغات الحكومية.

الأديرة تساهم في مواجهة الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار نتيجة قرارات الإصلاح الاقتصادي وتعويم الجنيه وارتفاع أسعار الدولار

والمشكلة أن ذلك يؤدي إلى انخفاض أسعار منتجات الأديرة لأنها معفاة من الرسوم مقارنة بأسعار المنتجات الأخرى، ومن ثم يكون هناك دعم لكيان اقتصادي دون آخر ولو بطريقة غير مباشرة، وقد ينتج عن ذلك احتكار قطاعات معينة في الاقتصاد المصري وربما يتسبب في توسيع الهوة بين طبقات الشعب، بسبب ارتفاع مستوى معيشة التاجر القبطي مقارنة بغيره، لأنه يشتري من الدير بسعر أقل من السوق ويبيع أيضا بسعر أقل.

لكن القمص بولس عبدالمسيح، أحد الرهبان بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، يوضح لـ”العرب”، أن “من لا يعمل لا يأكل”.. وهذا هو قانون الرهبنة إلى جانب الصلاة والنسك، وأن توسّع الأنشطة الاقتصادية للأديرة يعود إلى سعيها الدائم لتحقيق الاستقلال والاكتفاء الذاتي من الغذاء وألا تكون عبئا على الكاتدرائية أو الدولة.

وأرجع عبدالمسيح تطور هذه الأنشطة الاقتصادية بشكل كبير خلال السنوات الماضية وبيع السلع والخدمات داخل الأسواق إلى تعدد احتياجات الأديرة ومنها الحاجة إلى الأموال لتغطية نفقات تكاليف الإصلاحات والترميمات داخل الأديرة.

وأكد أن الأديرة من ناحية أخرى تساهم في مواجهة الأزمة الاقتصادية والارتفاع الكبير لأسعار السلع الغذائية نتيجة قرارات الإصلاح الاقتصادي وتعويم الجنيه المصري وارتفاع أسعار الدولار، نظرا إلى أن مصر تستورد أكثر من 60 بالمئة من احتياجاتها الغذائية من الخارج، فأسعار منتجات الأديرة تعد رخيصة نسبيا مقارنة بالأسعار الخارجية كما أنها تتمتع بجودة عالية، وهو ما دفع المواطنين إلى الإقبال عليها ولاقت رواجا اقتصاديا.

الأمر نفسه يؤكده القس روفائيل جرجس، أحد رهبان دير أبومقار، مشيرا إلى أن استقلالية الأنشطة الاقتصادية للأديرة تعود بشكل أساسي إلى كونها لا تخضع لمسؤولية الدولة، وبالتالي لا تتلقى أي دعم أو تمويل من المؤسسات الحكومية عكس الأوقاف الإسلامية والمساجد والمنشآت الدينية التي تتلقى دعما ماليا كبيرا.

وأضاف لـ”العرب” أن الدير يقوم بتمويل أنشطته ذاتيا، كما أن التوسع في الأنشطة الاقتصادية يعود جزء منه إلى تعليم المنضمين حديثا إلى الرهبنة والخدمة في الأديرة مفاهيم العمل والإنتاج، إضافة إلى التغلب على حياة الرهبنة الجافة والشاقة وكسر ملل الوقت الطويل الذي يعيشونه، فالراهب يعتبر في “حُكم الميت” عن شهواته والعالم وحياته كلها بالدير تسبيح وصلاة وصوم.

ويرى الشيخ سيد زايد، من علماء الأزهر، أن الإسلام أوصى خيرا بأماكن عبادة الآخرين، خاصة أهل الكتاب، وعدم المساس بها، وأن الأقباط في مصر يحظون بكل الحقوق الدينية وبحرية العبادة والرهبنة الكاملة، لكن المشكلة كما يقول لـ”العرب” هي أن البعض من الاتجاهات، السلفية والإخوان، يستغلون وضع الأديرة وغياب الرقابة عليها كورقة سياسية لإثارة المشكلات الطائفية من حين لآخر.

الأديرة تساهم في التخفيف على المواطن اقتصاديا

غياب الرقابة

كانت الكنيسة القبطية قد اعترضت على المادة 212 من دستور 2012 الذي تمت كتابته إبان عهد الإخوان، وتنص المادة على أن “تقوم الهيئة العليا لشؤون الوقف بتنظيم مؤسساته العامة والخاصة وتشرف عليها وتراقبها وتضمن التزامها بأنماط أداء إدارية واقتصادية رشيدة وتنشر ثقافة الوقف في المجتمع”.

ويرى مراقبون أن اعتراض الكنيسة لم يكن بسبب الطابع الإسلامي الذي يميز نظام الوقف، ولكن لخشيتها من خضوع الأديرة إلى رقابة الدولة والكشف عن حجم الممتلكات والأراضي الشاسعة التي تقوم عليها.

وحذر هؤلاء من أن البعض من الأقباط ينتهجون استراتيجية فرض الأمر الواقع لضم مساحات كبيرة إلى الأديرة من خلال بناء “قلايات” منفصلة داخل الصحراء تكون بمثابة أماكن لإقامة الرهبان، وبعد فترة يقومون ببناء سور حول تلك القلايات لتصبح هذه المساحات ضمن أملاك الدير.

وعندما تقوم الدولة بإزالة هذه التعديات يتم تصوير الأمر على أنه اضطهاد ديني للمسيحيين، وغالبا ما يقوم أقباط المهجر بالتظاهر في الخارج كوسيلة ضغط على الحكومة المصرية للتراجع عن إزالة التعديات، وغالبا ما تتم تسوية الأمور بالتوافق وقبول الأمر الواقع.

وأثارت مشكلة اعتداء الرهبان على الأراضي بشكل متكرر العديد من الفتن الطائفية مثل ما حدث في وقت سابق من قلاقل بخصوص مساحة أديرة الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر والأنبا فانا غرب ملوي بالمنيا، وآخرها دير الأنبا مكاريوس السكندري بمنطقة الريان في الفيوم.

ففي فبراير 2011 قام المسؤولون عن دير الأنبا مكاريوس بالاستيلاء على أراض تابعة للمحمية الطبيعية بوادي الريان بما يقارب 13 ألف فدان وضمها إلى حرم الدير وبناء سور حولها بامتداد 10 كيلومترات، مستغلين حالة عدم الاستقرار التي كانت سائدة في البلاد بعد الثورة.

واضطرت الدولة والكنيسة إلى الاستعانة بالأنبا مكاريوس، أسقف عام المنيا جنوب مصر، للتدخل بعد صدام ومواجهات بين الأهالي والرهبان وتم حل المشكلة من خلال تخصيص مساحة ثلاثة آلاف فدان وضمها إلى الدير، إضافة إلى ألف فدان أخرى تخصص كمحمية طبيعية، والسماح بشق طريق يصل طريق الإسكندرية بالواحات الغربية مرورا بالفيوم.

وقال محمد شوقي، أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، إن إصدار قانون لتنظيم عمل الأديرة والإشراف عليها من قبل الدولة خطوة ضرورية لبسط سيادتها على كافة أراضيها، وهو أمر تخضع له كل المنشآت الدينية في العالم ولا يتعارض مع استقلالية الأديرة وإشراف الكنيسة عليها.

وأشار لـ”العرب” إلى أن القانون يضمن الشفافية والرقابة على أنشطة تلك الأديرة ومصادر تمويلها، خاصة الخارجية منها، ويفند الإشاعات المستمرة حول الغموض والضبابية اللذين يكتنفانها ويستغلهما البعض لإشاعة الفتنة الطائفية وإثارة المشكلات والصدامات مع الأهالي ومع الحكومة، كما أنه ينظم مساحاتها وتوسعاتها المستقبلية ويتيح للدولة دورا في مساعدة تلك الأديرة على مواجهة التحديات المختلفة مثل السيول الجارفة التي أغرقت البعض منها منذ سنوات ولم تستطع الأديرة مواجهتها بمفردها.

20