أذرع إيران تدفع العلاقات العراقية السعودية إلى مربع التأزيم

جهود إيران لقطع الطريق أمام تنقية أجواء العلاقات العراقية العربية، تحقّق نجاحا جزئيا بافتعال أزمة حول شخص السفير السعودي في بغداد، لكن ذلك لا يبدو كافيا لدفع السعودية إلى التراجع عن سياسة اليد الممدودة التي قررت اتباعها تجاه العراق وعدم تركه ساحة مفتوحة للنفوذ الإيراني.
الاثنين 2016/08/29
ابتسامات دبلوماسية لا تعكس حقيقة المشاعر

بغداد - طالبت الخارجية العراقية، الأحد، نظيرتها السعودية باستبدال سفيرها لدى بغداد ثامر السبهان، في استجابة واضحة لضغوط جهات طائفية متشدّدة، لا تبدو راضية على خطوات تحسين العلاقات بين بغداد والرياض.

وجاءت المطالبة في أعقاب حملة ضارية شنتها ميليشيات وأحزاب شيعية على السفير منذ اختياره للمنصب في أبريل 2015 وحتى مباشرته عمله على رأس السفارة في ديسمبر الماضي، وتطورت أخيرا إلى التهديد الصريح باغتياله.

وصرّح بذلك علانية، الأمين العام لميليشيا أبوالفضل العباس أوس الخفاجي قائلا خلال لقاء تلفزيوني، إن السبهان “مطلوب ولنا ثأر معه، ولو حصلت عملية اغتياله، فهذا شرف يدّعيه الجميع”.

وقال أحمد جمال المتحدث باسم الخارجية العراقية إن الوزارة وجهت طلبا رسميا إلى نظيرتها السعودية يتضمن استبدال السفير لدى بغداد، ملخّصا سبب ذلك بـ”سلسلة من التصريحات والمواقف الإعلامية التي صدرت عن السبهان وتعتبر تجاوزا لحدود التمثيل الدبلوماسي ومهام السفراء”.

وبحسب مراقبين، فإن الحملة على السفير السعودي تتجاوز العراق، إلى إيران المعنية مباشرة بقطع البلد عن محيطه العربي، والإبقاء عليه سابحا في الفلك الإيراني.

وشكا السفير السعودي في العراق في أكثر من مناسبة من استهداف السفارة بحملة إعلامية ممنهجة، في إشارة إلى التصريحات النارية والاتهامات الموجهة باستمرار له ولبلاده من جهات سياسية وقادة فصائل شيعية مسلحة تعرف بموالاتها لإيران وبالدفاع عن دورها في العراق وبمعارضتها لأي جهد لتحسين علاقات البلد مع محيطه العربي، مخافة أن يكون لبلدان مثل السعودية دور مستقبلي في العراق.

وكانت إيران قد استفادت بشكل كبير من سيطرة شخصيات شيعية موالية لها على مقاليد الحكم في العراق بعد سنة 2003 لتوطّد نفوذها فيه وتوسّع من تأثيرها على سياساته، وزادت من تحصين ذلك النفوذ بتأسيس وتمويل ميليشيات شيعية غدت بمثابة حرّاس للدور الإيراني في العراق، إلاّ أنّ إيران استفادت أيضا من الغياب شبه الكامل للدور العربي في الساحة العراقية.

وكانت المملكة العربية السعودية قد أعادت في ديسمبر الماضي فتح سفارتها في بغداد بعد إغلاقها طيلة ربع قرن، وعينت على رأسها ثامر السبهان الضابط برتبة عميد الذي سبق له أن شغل منصب ملحق عسكري لبلاده لدى لبنان.

الحملة على السعودية لا تخلو من إحراج لحكومة حيدر العبادي الذي يدرك حاجة العراق الأكيدة للبلدان العربية

وفُسّرت الخطوة السعودية باعتبارها بداية جهود لاستعادة العراق إلى الحاضنة العربية وتخفيف حدة تعرّضه للتأثيرات الإيرانية.

ومنذ ذلك الحين يتعرض السفير السبهان وسفارته لحملة شرسة من شخصيات سياسية وقادة ميليشيات شيعية عراقية، ازدادت ضراوة مع تقدّم الحملة العسكرية على تنظيم داعش، والتي أظهرت المملكة العربية السعودية خلالها دعما للعراق في محاربة الإرهاب، منتقدة في نفس الوقت مظاهر “تطييف” تلك الحرب من خلال تدخل إيران فيها عن طريق قائد فيلق القدس ضمن الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني.

وأغضب السبهان الميليشيات الشيعية في العراق من خلال انتقاده لسياسة تشكيل الميليشيات وتشديده على ضرورة الحفاظ على وحدة العراق قائلا “هناك في العراق من يطالب بإنشاء ميليشيات أو الدعم بالسلاح وهذه ليست سياستنا، نحن نقول توحدوا وتسامحوا واجعلوا الوطن الموحد همكم وهذا أنفع سلاح لكم”.

وينعكس الموقف السلبي لمن يوصفون بأنهم “أذرع إيران في العراق”، من السفير السعودي ومن بلاده في تصريحات قادة ميليشيات وسياسيين شيعة.

ووصفت ميليشيا النجباء على لسان أمينها العام أكرم الكعبي، السفير السبهان بـ”الشخصية المخابراتية”، معتبرة أنه “مشروع تخريب” داخل العراق وليس إعادة العلاقات بين الرياض وبغداد.

كما سبق أن طالبت ميليشيا بدر بقيادة هادي العامري باعتبار السفير السعودي “شخصا غير مرغوب فيه”، وذلك على خلفية الانتقاد غير المباشر الذي وجهه ثامر السبهان لمشاركة الجنرال الإيراني قاسم سليماني في الحرب ضد داعش داخل الأراضي العراقية.

وتسبّب مثل هذه الدعوات حرجا كبيرا لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي يدرك حاجة العراق الماسة إلى الدعم المادي والسياسي من قبل الدول العربية، وخصوصا دول الخليج الغنية خلال هذه المرحلة كثيرة المصاعب والتعقيدات، وفي مرحلة ما بعد داعش التي ستستدعي جهودا مرهقة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

ويزداد الحرج حين تنخرط في الحملة شخصيات رسمية من مستوى وزير الخارجية إبراهيم الجعفري.

وتعلم السعودية أنّ إيران وراء محاولات تسميم أجواء علاقاتها مع العراق، وهو ما أشار إليه السفير السبهان بشكل صريح قائلا “هناك حملة إعلامية إيرانية ضد المملكة سبقت افتتاح السفارة السعودية في بغداد”، ومضيفا “منذ تسميتي سفيرا بدأت السهام الإعلامية تنساق خلف مقاصد واضحة وهي التشكيك في عمل السفارة وفي تاريخي”.

وتبدو حكومة بغداد مدركة لخطورة توتير العلاقات العراقية مع البلدان العربية، لا سيما الجارة الكبرى السعودية. وحاولت خلال مطالبتها الرياض بتغيير سفيرها في بغداد التهوين من شأن مطلب استبدال السفير بالقول في بيان الخارجية إنّ “طلب إبدال السفراء مسألة دبلوماسية اعتيادية متعارف عليها بين الدول”، معبرة عن الأمل في “ألا يكون هناك إرباك أو تعكر في صفو العلاقات”.

وعلى الجانب السعودي لا تبدو الرياض بوارد الانسياق خلف الحملة الإيرانية والتراجع عن سياسة اليد الممدودة التي تتبعها تجاه العراق.

وقال السفير السبهان تعليقا على طلب الخارجية العراقية تغييره إن”سياسة المملكة العربية السعودية واضحة وصريحة في العراق ولن تتغير بتغير الأشخاص”، مضيفا “أنا مقدّر لظروفهم –السياسيين العراقيين- ومقدر للضغوط والتهديدات التي تمارس عليهم. وهذا شيء طبيعي في دولة توجد فيها تدخلات عسكرية ومستشارون عسكريون من دول أخرى”، في إشارة واضحة إلى إيران.

اقرأ أيضا:

نشطاء يطلقون حملة \'كلنا ثامر السبهان\'

3