أرامل العراق.. قضية خاسرة

الثلاثاء 2013/09/17

10 بالمئة من نساء العراق أرامل.. النسبة الأكبر من أرامل العالم يعشن في العراق.. هنالك إحصائيات تقديرية تضاعف الرقم إلى 3 ملايين.

مرة أخرى الأرقام غير دقيقة.. ومرة أخرى ما زال البعض يزيف الحقائق لصالح مطامع شخصية، فالرقم الحقيقي ما زال في الخفاء أو ربما أخفقت الإحصاءات في ملاحقة نتائج السباق الماراثوني للإنفجارات التي تقيد في مجملها ضد مجهول لتقتل من تقتل من الرجال وتتكاثر بصورة أسرع من الذباب، لكنها تختلف عن الذباب الذي تمتد دورة حياته في بعض الأنواع أياماً معدودات.. إذ أن دورة حياة العنف ستستمر إلى أجل غير مسمى.

وما زالت، بالطبع، بعض مؤسسات الحكومة والأحزاب تتسابق لإهدار الوقت بتبادل الإتهامات وتزوير قوائم الأسماء التي ترفع للجهات المعنية بخصوص عدد النساء المستحقات للإعانة الاجتماعية، في حين أن الأمر أبسط من ذلك بكثير، حيث أن موجة الفقر والعوز والتشرد قد شملت أغلب العراقيات من دون استثناء، ونظرة بسيطة لتحديد طبيعة الألوان السائدة في الشارع العراقي، ستخرج بحصيلة سوداء ناصعة السواد، مع استثناء بسيط يضع نساء المناطق الخضراء خارج هذه القوائم، حيث يعتمدن في لباسهن ألوانا أكثر إشراقا تفرضها عليهن أمزجة دور الأزياء الباريسية.

خلاصة الأمر، أن الأرامل ليس لديهن حتى الوقت الكافي لإنتظار نتائج الإحصاءات أو حتى للحزن الاجتماعي الذي بات ترفا قلما يمتلكنه.. ففقد الشريك تتبعه مباشرة سلسلة معقدة من المشكلات المادية، إضافة إلى المعركة المحتومة بمواجهة منظومة العادات والتقاليد البالية؛ التي ما زالت تتمسك بالمظاهر الفارغة حيث تضيق الخناق على الأرملة وتحدد حركتها وترسم حدود حريتها، وكأنها هي يد القدر التي عجلت برحيل شريكها في الحياة.

وأكدت منظمات معنية بشؤون المرأة ومنظمات حقوقية عالمية، على أن الأرامل يواجهن العديد من المشكلات المترتبة على غياب الزوج والمعيل، من دون أن يحصلن على المساعدة من قبل المؤسسات المعنية.

وفي محاولة منها لطرد شبح الجوع عن أطفالها تلجأ المرأة العراقية اليوم، التي تلامس أقدامها الحافية أرض تعوم على كنوز من ذهب، تلجأ إلى ابتكار أساليب ملتوية للتحايل على الجوع.. فتبيع ما تبقى من أثاث منزلها.. وصولا إلى الأبواب والشبابيك.. ثم تحاول الاستغناء عن بعض الجدران، ثم تعود مرة أخرى لتدور في دوامة العمل بجميع أشكاله؛ بائعة خضار.. خادمة.. منظفة.. وأصبح في إمكانها أيضا أن تقتحم ميدان عمل الرجل فتعمل مثلا عاملة مسطر؛ حيث تفترش بعضهن الساحات المتاخمة للأسواق في انتظار الحصول على عمل بساعات وأجور محددة وطبعا لا تخلو هذه الأماكن من توفير فرص سانحة لأصحاب النفوس المريضة، وما أكثرهم، لمساومتها على ما تبقى من ملامح كرامتها الإنسانية.

جميع أنواع العنف ضد المرأة مورست في العراق؛ منها العنف الأسري والمجتمعي والسياسي إضافة إلى عنف الدولة، التي تعتبرها مجرد "وعاء" لحمل مزيد من المواليد الذين يساقون بعد بلوغهم سن الطفولة إلى معركة العمل والفقر أو للتضحية بهم شبابا في محرقة الموت التي اشتعلت منذ عقود وما زالت تعمل بالوقود المحلي أو المستورد من الجيران.

الحكومات المتعاقبة على رقاب الناس بمختلف توجهاتها ومذاهبها التي تذهب رياحها في الغالب بعكس ما تشتهي سفن الفقراء والكادحين، أو الكادحات.. اتفقت جميعها على ظلم المرأة وكانت عادلة في ظلمها الذي لم يستثن أحد.. ولا يسعنا أن ننسى في هذا الخصوص حوادث القتل والاغتصاب في السجون الحديثة والمخضرمة التي استمرت على مدى عقود طويلة وما زالت تسجل ارتفاعا منقطع النظير.

محامي لا ينتمي لأي من الاتجاهات السياسية القديمة أو الحديثة في الحكومات المتعاقبة، قرر أخذ الأمر على عاتقه بعد أن تم تكليفه نيابة عن مليون امرأة عراقية قتل أزواجهن وأبنائهن وأولادهن وآبائهن في العقد المنصرم.. لمقاضاة المسؤولين واقتناص حقوقهن المهدورة ودفع مستحقاتهن وأبنائهن، لتمكينهن من العيش الكريم مع الاحتفاظ بماء الوجه والاستزادة من خزين الذهب الذي يذهب معظمه هدرا في بطون من لا يستحق. إلا أن القاضي في المحكمة المعنية نصح المحامي الهمام بتأجيل المرافعة في القضية الخاسرة، لأن القضاء، بأفراده ومبانيه، كله بقبضة هؤلاء المسؤولين.. وعلى المتضررات اللجوء إلى السماء لبث شكواهن.. إذ أن الشكوى لغير الله مذلة.

21