"أرامل" ستيف ماكوين يفتتح مهرجان لندن السينمائي الـ62

المخرج ستيف ماكوين ينجح في خلق بناء جدلي ينتقل بسلاسة وبراعة بين المواقف والمستويات المختلفة، يعرف أين يدخر المفاجآت ومتى يكشفها واحدة تلو الأخرى.
الجمعة 2018/10/12
تضامن لا يقيم وزنا للون والعرق

المرأة ليست أقل من الرجل، بل يمكنها أن تصارعه وتتفوق عليه أيضا، ليس فقط في مجال الخير وإنما في الجريمة والعنف أيضا، لكنه العنف الذي تضطر إليه اضطرارا بسبب ما تتلقاه من تهديد من جانب مجتمع الرجال، كما أنها تستثمر ما تحصل عليه من مال من الجريمة، في عمل الخير.

لندن – افتتح فيلم “أرامل” Widows (إنتاج مشترك بريطاني- أميركي) الدورة الـ62 من مهرجان لندن السينمائي مساء الأربعاء، وهو الفيلم الرابع للمخرج البريطاني ستيف ماكوين، الذي عرف بأفلامه المثيرة التي حققت نجاحا كبيرا مثل “جوع” و”عار” و”12 عاما في العبودية”.

ولكن الفيلم الجديد يختلف كثيرا عن الأفلام الثلاثة السابقة في كونه يخضع أولا: للنوع المعروف بالثريللر، أو فيلم الجريمة (البوليسي) حسب تصنيفات هوليوود.

ثانيا: يميل الفيلم في اتجاه الميلودراما، لكنه ينجو من السقوط في اللعب على عواطف إثارة المتفرج، بفضل براعة السيناريو الذي يقارب موضوعه من زاوية جديدة لم يسبق لنا رؤيتها على الشاشة، كما يفاجئك بحبكة ملتوية، كلما تصورت أنك قبضت عليها وأصبحت قادرا على توقع ما سيحدث فيما بعد، تنتقل إلى خيط جديد يضيف إلى البناء الأصلي، كما يحافظ على جاذبية الفيلم وقدرته على شد المتفرج في مقعده، وينجح في تطعيمها بالأفكار التي تشغل مخرجه والتي تدور هنا حول الجنسانية أو الجندر واللون والطبقة وعنف الشرطة والفساد السياسي.

 

عالم السطو المسلح

إلاّ أن الفيلم في فكرته وشخصياته، ليس جديدا تماما فهو يستند إلى مسلسل تلفزيوني (من 12 حلقة) عرض في 1983 و1985 من تأليف ليندا لابلانتي. وقد أعاد ماكوين كتابة السيناريو بالتعاون مع جيليان فلين التي تعد من أكثر كتاب السيناريو في هوليوود موهبة في الوقت الحالي بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلمها “الفتاة التي اختفت” The Gone Gorl، بحيث اكتسب “أرامل” طابعا معاصرا وانتقلت أحداثه إلى مدينة شيكاغو الأميركية المعروفة بانتشار جرائم السطو المسلح.

ويدور الفيلم في عالم الجريمة، لكن أبطاله ليسوا من المجرمين المحترفين الذين يدخلون مغامرة جديدة حافلة بالمخاطر والمفاجآت على شاكلة فيلم تارانتينو الشهير “كلاب المخزن”، بل أربع نساء: اثنتان من البيض واثنتان من السود، بل إن أكثر من نصف شخصيات الفيلم تنتمي إلى مجتمع “الأفرو- أميركان”، أي الأميركيين السود من أصول أفريقية، في أنماط قد تزعج البعض وتدفعه للاحتجاج على أنماط الشر التي يجسدها بعض الممثلين السود، لكن لا أحد لحسن الحظ، يمكنه المزايدة على فكر وثقافة ستيف ماكوين ومعرفته بما يصوره، خاصة أن بطلة الفيلم “فيولا ديفيز″ تضبط الصورة تماما.

في البداية نشاهد أربعة من عتاة اللصوص تتعقبهم مطاردة الشرطة في شوارع المدينة فيلجأون إلى مرأب للسيارات ومع تبادل إطلاق النار مع جانب الشرطة يحدث انفجار هائل يؤدي إلى اشتعال حريق فيلقى الرجال الأربعة مصرعهم، هذا المدخل يتم عرضه بالقطع المتوازي لـ”فيرونيكا” (فيولا ديفيز) السيدة التي تعمل في مجال رعاية المدارس وجمع التبرعات لتحسين الخدمة التعليمية في المدينة لأبناء الطبقات الفقيرة والمهمشين، لكنها في الوقت نفسه زوجة “هاري” (ليام نيسون) زعيم العصابة التي لقي أفرادها حتفهم.

القطع المتوازي من يد فيرونيكا وهي تتحسس الموضع الخالي في الفراش إلى جوارها وهي تشعر بحسرة وألم، ثم مشاهد المطاردة العنيفة وإطلاق الرصاص في لقطات سريعة من خلال تكوينات خاصة تشي بطبيعة المواجهة النهائية التي لا يتوقعها أحد والتي تنتهي بمقتل اللصوص.

أصبحت فيرونيكا الآن أرملة تعاني من الوحدة ووطأة هجوم ذكريات الحب الذي كان يجمعها مع زوجها الذي ينتمي إلى الأميركيين البيض (هناك لقطات كثيرة قصيرة تتداعى في ذهن فيرونيكا خلال النصف الأول من الفيلم، تصور علاقتها الحميمية مع هاري).

إنها تمتلك منزلا كبيرا فخما، وسيارة فارهة يقودها سائقها الخاص الذي لم تعد للأسف تملك أن تدفع له راتبه، ولكي تبقيه في العمل لديها، تعرض أن يحصل على السيارة مقابل أن يقوم بتوصيلها فقط عند الحاجة.

وسرعان ما تجد فيرونيكا نفسها أمام تهديد لم يخطر لها على بال، يزورها زعيم عصابة من المجرمين في المدينة هو “جمال”، يعبث بأشيائها ويداعب كلبها الأبيض الصغير الذي لا يفارقها أبدا طوال الفيلم، ثم يخبرها أن زوجها سرق منه مليونين من الدولارات وأنه يتعين عليها ردهما إليه، ويمنحها مهلة شهر فإن فشلت سيتعين عليها أن تواجه مصيرها.

ويستخدم جمال شقيقه “جاتيم”، وهو قاتل محترف سادي مرعب، ويطلقه في أعقاب كل من كانوا على صلة بهاري، لتهديدهم والحصول على المعلومات منهم.

كل الوسائل مباحة
كل الوسائل مباحة

إلاّ أن جمال أيضا منغمس في منافسة سياسية شرسة مع رجل الأعمال الأبيض “توم موليغان” (كولن فاريل) ابن عمدة المدينة العجوز “جاك موليغان” (روبرت دوفال) في الانتخابات القادمة على منصب العمدة، وهو يرفض الانسحاب من السباق، ويستخدم كل حيله وأساليبه للوصول إلى المنصب كأول أميركي أسود يحكم المدينة، بينما يسعى جاك لإنجاح ابنه في الاقتراع ولو عن طريق التحايل والغش وشراء الذمم.

فيرونيكا هي محور الفيلم، وهي تسعى للخروج من المأزق بشتى الطرق، لكنها لا تحصل على أي شيء يمكن أن يكون زوجها قد تركه لها سوى دفتر دوّن فيه الرجل تفاصيل العمليات التي كانت العصابة تعتزم تنفيذها ولم يسعفها الوقت. تدرس فيرونيكا كل شيء بدقة، وتستقر على عملية سرقة 9 ملايين دولار موجودة في مكان ما ترك لها هاري خريطة له دون أن يحدد عنوانه، وبعد جهود متعددة سيتضح أنه ليس أقل من منزل ومكتب جاك موليغان نفسه، لكن التوصل للمكان لن يتم سوى بعد تكوين عصابة نسائية جديدة.

تتصل فيرونيكا بالأرامل الثلاث الأخريات، تتهرب إحداهن وترفض التعاون معها، لكنها تنجح في إقناع كل من ليندا وأليس بأن الأمر ليس مسألة اختيارية، فحياتهن مهددة، وما كن يتمتعن به من رغد العيش قد أصبح في خبر كان: ليندا قُتل زوجها وترك طفلين والسوبر ماركت الذي تصورت أنها تمتلكه تكتشف أنه مثقل بالديون ممّا أدى إلى استيلاء الدائنين عليه.

أما أليس، وهي فتاة شقراء جميلة، فكانت تعيش منذ شبابها المبكر مع شاب من اللصوص القتلى ولم تعد تعرف ماذا تفعل؟ وهي تواجه الآن ضغوطا من أمها لكي تعمل في الدعارة، وستنجح ليندا في “تجنيد” امرأة أخرى (من الأميركيين السود).. رياضية.. جريئة.. مقتحمة، تجيد قيادة السيارات.

تطور الحبكة

يصبح الفيلم أكثر إثارة ومتعة مع تتابع مشاهده المصنوعة بحرفية عالية والتي تتمتع بحوار ساحر ونرى خلالها أولا أليس التي لا تعرف كيف تقود سيارة، وهي تشتري سيارة من أحد

المزادات، ثم كيف تتحايل لشراء الأسلحة الضرورية للقيام بالعملية، ثم كيف تتحايل للوصول إلى عنوان “الكنز” عن طريق إغواء أحد رجال الأعمال وإقامة علاقة جنسية معه. ثم نشاهد النساء الثلاث في مشهد التدرب على إطلاق النار، ثم التدرب على الجري وتدريب ليندا على حمل حقيبة ثقيلة يفترض أنها مليئة عن آخرها بالمال، ثم مراقبة منزل جاك، وتفقد نوعية الحراسة المقامة عليه، ثم كيف تتذرع فيرونيكا وتذهب لمقابلة ابنه توم لكي تفحص المكان من الداخل وتحدد المكان الافتراضي لتخزين الأموال.

عناصر الفيلم البوليسي متوفرة كلها.. السرقة المشوبة بالمفاجآت، المطاردة المثيرة، تضليل الشرطة، اصطدام السيارات، إصابة أليس برصاصة في كتفها والتحايل لإدخالها المستشفى، لكن الأهم أن الفيلم يدخر أكثر من مفاجأة تتعلق بمصير الشخصيات، لكنه لا بد أن ينتهي بانتصار النساء، بل وبإعادة الحقوق إلى أصحابها أيضا، وتبرع فيرونيكا بالمال لصالح إعادة بناء مكتبة المدرسة.

الخطوط الثلاثة

للنساء كلمتهن
للنساء كلمتهن

من مزايا الفيلم أنه ينتقل بين ثلاثة خطوط في توازن دقيق: تخطيط فيرونيكا للغزوة المرتقبة التي ستحل كل مشاكلها ومشاكل الأخريات مع تطور الإعداد لعملية السطو، ثم كيف يتعقب القاتل السادي جاتيم فيرونيكا، ويراقب كل تحركاتها لكي يعرف كيف ستحصل على المال كما يطارد ويقتل مع رجاله سائقها وينكل بكل من يرفضون تزويده بالمعلومات.

والخيط الثالث يتمثل في الصراع الشرس بين المتنافسين على مقعد العمدة، والأساليب القذرة التي يلجأ إليها كل منهما، وكذلك كشف وضاعة شخصية جاك موليغان أكبر أثرياء المدينة والعمدة المتقاعد الذي يزعم أنه يعمل لصالح الفقراء والمهمشين ويرفض العنصرية بينما هو في حقيقة الأمر عنصري، يستحوذ على المال بالتلاعب والتحايل، أي أنه عضو في طبقة الأثرياء بالمال الحرام.

وينجح المخرج ستيف ماكوين في خلق بناء جدلي ينتقل بسلاسة وبراعة بين المواقف والمستويات المختلفة، يعرف أين يدخر المفاجآت ومتى يكشفها واحدة تلو الأخرى.

وهو لا يكتفي بالوصف السطحي النمطي لشخصيات النساء، بل يتعمق في فهم وتحليل محنة كل منهن، ورغم وجود بعض التداخل في السياق السردي يعوق أحيانا الاندماج وينتقص من سلاسة التدفق، إلاّ أن الفيلم يعود مجددا ليكتسب إيقاعه، كما يتمتع بصورة شديدة الجاذبية، والفضل في ذلك يعود إلى مدير التصوير شون بوبيت، الذي عمل مع ماكوين في أفلامه السابقة، إنه يعرف كيف يختار الإضاءة وزوايا التصوير بحيث يمنح الصورة طابعا واقعيا بعيدا عن المبالغة، كما ينجح في خلق إحساس دائم بالمكان.

وفي أحد المشاهد الطويلة نسبيا في الفيلم يبتكر ماكوين أسلوبا بصريا خاصا في تصوير سيارة يدور داخلها حوار عصبي شديد التوتر بين فيرونيكا وليندا، نحن لا نرى الشخصيتين من داخل السيارة ولا من مقدمتها كما هو معتاد في السينما، بل من الخارج مع التركيز ليس على الوجهين، بل على الجانب الأيسر من مقدمة السيارة (يمين الشاشة) الذي يظهر فيه جزء من وجه فيرونيكا، بينما الكاميرا التي تتحرك مع حركة السيارة تتركز على مسح المنازل، تنتقل من منازل الفقراء في الأحياء المتداعية في شيكاغو ثم تصل إلى المنازل الفخمة للطبقة الثرية، في تعبير بصري صامت لا يحتاج إلى أي تعليق.

وفي أحد المشاهد التي يريد ماكوين توصيل رسالة ما من خلالها، توقف دورية الشرطة سيارة شاب أسود كان متجها لإعادة شيء نسيته والدته في سيارته، وعندما استجاب الشاب وتوقف، ثم عندما كان يهم بالخروج من السيارة أطلق عليه الشرطيان الرصاص فقتلاه في مشهد وحشي يتحدث عن نفسه، ويذكرنا بما وقع من أحداث عنصرية بين الشرطة والأميركيين السود في الفترة الأخيرة.

قد لا يكون “أرامل” على نفس المستوى من العمق والتركيز قياسا إلى أفلام ماكوين السابقة خاصة “12 عاما في العبودية”، ربما بسبب تفرع الموضوع إلى مسارات عدة فكرية، لكنه يظل عملا متميزا مثيرا يؤكد موهبة هذا المخرج وبراعته، خاصة في التعامل مع الممثلين.

وهو يمنح الممثلة فيولا ديفيز فرصة كبيرة للتألق في دور فيرونيكا ذات المشاعر الممزقة بين الحنين والحب، ثم ما تعرضت له من مأساة مع شعورها بالأسى بعد اكتشاف الخيانة الزوجية، ولكنها تتمكن من كتم مشاعرها وستر الجرح الشخصي، ثم التصميم على ضرورة الخروج من المأزق بكل ما يقتضيه هذا من صرامة وقسوة على النفس وعلى الآخرين مع استخدام العنف مرغمة.

هذه الممثلة تزداد تألقا وثقة كلما اكتسبت المزيد من الخبرة في العمل مع مخرجين يعرفون كيف يستخرجون منها أفضل ما لديها، وهي دون شك البطلة الحقيقية للفيلم، وحصولها على الأوسكار لأفضل ممثلة ثانوية عن دورها أمام دانزيل واشنطون في فيلم “حواجز” يمكن أن يتكرر عن دورها في هذا الفيلم.

ومن الممثلين الذين برزوا في الفيلم أيضا الممثل البريطاني كولن فاريل في دور توم موليغان، والممثل المخضرم روبرت دوفال (87 عاما) في دور جاك موليغان، الذي قدم فيه خلاصة خبرته، والممثلة- الاكتشاف إليزابيث ديبيكي في دور أليس، ودانييل كالويا في دور جاتيم.

يبدو “أرامل” في النهاية، ملائما تماما ومتسقا مع التوجه السياسي الحالي في الغرب، أي مع اليقظة النسائية الجديدة، ولذلك يتوقع أن يستقطب الفيلم الكثير من الاهتمام عندما تبدأ عروضه التجارية في شهر نوفمبر القادم.

16